نعم ، يكون ذلك من المولى فيريد أن يحرّم الفعل فيحرّم على عبده ، أو يريد أن يوجبه عليه فيوجب .
الثاني : أنّ توجيه الطلب من المولى لغاية توليد الإرادة في نفس العبد نحو الفعل ، فهو مولّد للإرادة فكيف يتولّد من الإرادة ؟ !
الثالث : أنّ الإرادة من المولى لو كانت تبع إرادتها من العبد لزم ألا تكون إرادة من المولى حيث لا تكون إرادة من العبد ، ففي مواضع التخيير إذا لم يختر لشيء من الطرفين لا يكلّف بشيء فلا يكون عاصيا ، غاية ما هناك أن يلتزم بوجوب الاختيار عليه ، فإذا لم يختر يكون عاصيا لهذا الخطاب لا لخطاب الواقع .
ويمكن الجواب عن الأوّل بأنّ الرضا يتعلّق بكلّ من الفعل الاختياري وغير الاختياري ، ويكفي في المقام الرضا ، فأيّ من الحكمين رضي به المكلّف كان ذلك الحكم حكمه ومنشأ في حقّه .
ويمكن الجواب عن الثاني بأنّ الحكم علّة لإرادة ومعلول لإرادة أخرى ، فالإرادة التي معلول للحكم هي إرادة العبد للفعل ، والإرادة التي علّة للحكم هي إرادة العبد واختياره لأحد الحكمين في حقّ نفسه .
بقي من وجوه المناقشة الوجه الثالث الذي به تتطرّق الخدشة في معقوليّة أصالة التخيير ، ولا سبيل لنا إلى دفعه .
[ المقام الثاني : في الدليل على أصالة التخيير ]
وأمّا الكلام في المقام الثاني - بعد تسليم المعقوليّة في المقام الأوّل - فحاصله : أنّه لم يقم دليل على هذا الأصل سوى ما ورد من الأمر بالتخيير في الخبرين المتعارضين ، بدعوى أنّ الخبرين لا مدخليّة لهما في الحكم بالتخيير ، وإنّما حكم بالتخيير في موضوع الخبرين بما أنّهما محدثان للعلم الإجمالي بأحد الحكمين ، أو بدعوى أنّ مناط التخيير هناك هو التزاحم الحاصل هنا أيضا ، وخصوصيّة المتزاحمين ، وأنّه هناك هنا الحجّتان ، وهنا الحكمان الفرعيّان لا مدخليّة لهما في ذلك .
وكلتا الدعويين عليلتان ، والعقل لا يحكم بالتخيير هنا ، فكانت أصالة التخيير بلا أصل ومدرك .
هذا على مذاق القوم ، وأمّا نحن فقد عرفت أنّ كلّ الأصول عندنا باطلة عاطلة عدا