[ المقام الثاني : لزوم الموافقة القطعية للعلم الإجمالي ]
الثاني : أنّ العلم الإجمالي هل يؤثّر في إيجاب الموافقة القطعيّة ، أو لا يزيد أثره عن إيجاب الموافقة الاحتماليّة والإتيان ببعض الأطراف مقابل السلب الكلّي ؟
الذي ينبغي القطع به أنّ العلم الإجمالي لا ينحطّ في التأثير عن العلم التفصيلي ، ولو انحطّ لم يؤثّر رأسا ، وكان الالتزام بالتبعيض في الأثر غريبا ؛ وذلك أنّ المحرّك نحو أطراف الاشتباه إن كان الاحتمال فالاحتمال موجود في كلّ الأطراف ، وإن كان العلم الإجمالي فالعلم نسبته إلى الأطراف نسبة واحدة ، فكان تأثيره في بعض دون بعض بلا وجه أو محالا .
وأيضا لا يعقل أن يكون غرض المولى من الأمر إتيان العبد ببعض الأطراف ؛ إذ ليس أثر الأمر ذلك ؛ فإنّ غاية الأمر إتيان العبد بما علم بإرادة المولى له ، فالمحرّك هو القطع ، فكان ما نحوه الحركة هو المقطوع .
[ المقام الثالث : اقتضاء العلم الإجمالي للتأثير ]
الثالث : في أنّ العلم الإجمالي هل يؤثّر فيما يؤثّر على سبيل الاقتضاء ، فكان للمولى جعل الإباحة والإذن في الترك في مورده ، أو على سبيل العلّة التامّة حتّى إذا ورد دليل دالّ على الرخصة ترك ذلك الدليل أو خصّص - إن كان عامّا - بالشبهات البدويّة ؟
فاعلم أنّ الحكم - من أيّ حاكم كان - إذا توجّه نحو موضوع ، لا يرتفع عن ذلك الموضوع ، بل يبقى مستمرّا ما دام الموضوع ، فإذا زال زال . وعليه فالمراد من التأثير على سبيل العلّيّة التامّة إن كان هو التأثير في فرض بقاء الموضوع فلا سبيل إلى إنكار ذلك ، ودعوى أنّ التأثير على وجه الاقتضاء . وإن كان هو التأثير بعد زوال الموضوع فلا مجال لاحتمال العلّيّة التامّة ، بل الحكم يرتفع جزما بارتفاع الموضوع ، فإن كان حكم بعد زوال الموضوع فذلك حكم آخر غير الحكم الثابت أوّلا .
نعم ، الكلام في الموضوع ، فربما كان الموضوع مقيّدا بعدم ورود الرخصة من الشارع - كعدم البيان الذي هو في موضوع حكم العقل بقبح العقاب - فإذا جاءت الرخصة ذهب الحكم الأوّل بسبيله وإن تعلّق به علم تفصيلي ، فليس هذا من اقتضائيّة العلم الإجمالي ، بل الحكم المعلوم أزيل بزوال موضوعه بانقلاب عدم الترخيص الشرعي بالترخيص الشرعي .
ومن هذا الباب منع الشارع عن ارتكاب بعض الأطراف تعيينا ولو بعنوان آخر ؛ فإنّه يخرج بذلك عن أطراف الإجمال ، وينحلّ به العلم الإجمالي . وإن بقي أثر العلم في الطرف الآخر فذلك لاندراجه تحت حكم العقل باشتغال آخر ، وهو وجوب تحصيل المبرّئ