وحزازة في المنهي عنه ، فيبقى المنهي عنه على ما كان عليه من المصلحة الذاتية بلا مزاحم لها من مفسدة للنهي ، فيمكن التقرب به بقصد تلك المصلحة الذاتية المفروضة ، بخلاف النهي النفسي الكاشف عن المفسدة والحزازة في المنهي عنه المانعة من التقرب به .
وقد ناقشناه هناك بأن التقرب والابتعاد ليسا يدوران مدار المصلحة والمفسدة الذاتيتين حتى يتم هذا الكلام ، بل - كما ذكرناه هناك - إن الفعل المبعد عن المولى في حال كونه مبعدا لا يعقل أن يكون متقربا به إليه كالتقرب والابتعاد المكانيين ، والنهي وإن كان غيريا يوجب البعد ومبغوضية المنهي عنه وإن لم يشتمل على مفسدة نفسية .
ويبقى الكلام في النهي ( التنزيهي ) أي الكراهة ، فالحق أيضا أنه يقتضي الفساد كالنهي التحريمي ، لنفس التعليل السابق من استحالة التقرب بما هو مبعد بلا فرق ، غاية الأمر أن مرتبة البعد في التحريمي أشد وأكثر منها في التنزيهي كاختلاف مرتبة القرب في موافقة الأمر الوجوبي والاستحبابي . وهذا الفرق لا يوجب تفاوتا في استحالة التقرب بالمبعد . ولأجل هذا حمل الأصحاب الكراهة في العبادة على أقلية الثواب مع ثبوت صحتها شرعا لو أتى بها المكلف ، لا الكراهة الحكمية الشرعية ، ومعنى حمل الكراهة على أقلية الثواب أن النهي الوارد فيها يكون مسوقا لبيان هذا المعنى وبداعي الإرشاد إلى أقلية الثواب ، وليس مسوقا لبيان الحكم التكليفي المقابل للأحكام الأربعة الباقية بداعي الزجر عن الفعل والردع عنه .
وعليه فلو أحرز - بدليل خاص أن النهي بداعي الزجر التنزيهي ، أو لم يحرز من دليل خاص صحة العبادة المكروهة ، فلا محالة لا نقول بصحة العبادة المنهي عنها بالنهي التنزيهي .
شرح
( قوله ( ره ) : ( والنهي وإن كان غيريا يوجب البعد والمبغوضية . . . ) .
أقول ادعى المصنف ( ره ) في هذه العبارة أن النهي الغيري يستوجب مبغوضية متعلقه لكنه فاسد لا وجه له كما بيناه في مباحث مقدمة الواجب .