والأحسن تصوير الدليل على وجه آخر ، فنقول :
إنه من المسلم عند الطرفين وجوب طاعة الأوامر والنواهي الشرعية وكذلك وجوب المعرفة . وهذا الوجوب عند الأشاعرة وجوب شرعي حسب دعواهم ، فنقول لهم : من أين يثبت هذا الوجوب ؟ لا بد أن يثبت بأمر من الشارع . فننقل الكلام إلى هذا الأمر ، فنقول لهم : من أين تجب طاعة هذا الأمر ، فإن كان هذا الوجوب عقليا فهو المطلوب ، وإن كان شرعيا أيضا فلا بد له من أمر ولا بد له من طاعة فننقل الكلام إليه . . . وهكذا نمضي إلى غير النهاية . ولا نقف حتى ننتهي إلى طاعة وجوبها عقلي لا تتوقف على أمر الشارع . وهو المطلوب .
بل ثبوت الشرائع من أصلها يتوقف على التحسين والتقبيح العقليين ، ولو كان ثبوتها من طريق شرعي لاستحال ثبوتها ، لأنا ننقل الكلام إلى هذا الطريق الشرعي فيتسلسل إلى غير النهاية .
والنتيجة : إن ثبوت الحسن والقبح شرعا يتوقف على ثبوتهما عقلا .
المبحث الثاني إدراك العقل للحسن والقبح
بعد ما تقدم من ثبوت الحسن والقبح العقليين في الأفعال ، فقد نسب بعضهم إلى جماعة الإخباريين - على ما يظهر من كلمات بعضهم - إنكار أن يكون للعقل حق إدراك ذلك الحسن والقبح . فلا يثبت شيء من الحسن والقبح الواقعيين بإدراك العقل .
والشيء الثابت قطعا عنهم على الإجمال القول بعدم جواز الاعتماد على شيء من الإدراكات العقلية في إثبات الأحكام الشرعية .
وقد فسر هذا القول بأحد وجوه ثلاثة حسب اختلاف عبارات الباحثين منهم :
1 - إنكار إدراك العقل للحسن والقبح الواقعيين . وهذه هي مسألتنا التي عقدنا لها هذا المبحث الثاني .