تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقدمات والتنبيهات في شرح أصول الفقه — صفحة 36

مساهمون:

ص٣٦
والحق أن الملازمة ثابتة عقلا ، فإن العقل إذا حكم بحسن شيء أو قبحه - أي أنه إذا تطابقت آراء العقلاء جميعا بما هم عقلاء على حسن شيء لما فيه من حفظ النظام وبقاء النوع أو على قبحه لما فيه من الاخلال بذلك - فإن الحكم هذا يكون بادي رأي الجميع فلا بد أن يحكم الشارع بحكمهم ، لأنه منهم بل رئيسهم . فهو بما هو عاقل - بل خالق العقل - كسائر العقلاء لا بد أن يحكم بما يحكمون . ولو فرضنا أنه لم يشاركهم في حكمهم لما كان ذلك الحكم بادي رأي الجميع ، وهذا خلاف الفرض . وبعد ثبوت ذلك ينبغي أن نبحث هنا عن مسألة أخرى ، وهي أنه لو ورد من الشارع أمر في مورد حكم العقل كقوله تعالى :
أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ *
فهذا الأمر من الشارع هل هو أمر مولوي أي أنه أمر منه بما هو مولى ، أو أنه أمر إرشادي أي أنه أمر لأجل الإرشاد إلى ما حكم به العقل ، أي أنه أمر منه بما هو عاقل ؟ وبعبارة أخرى أن النزاع هنا في أن مثل هذا الأمر من الشارع هل هو أمر تأسيسي ، وهذا معنى أنه مولوي أو أنه أمر تأكيدي وهو معنى أنه إرشادي ؟ . لقد وقع الخلاف في ذلك ، والحق أنه للإرشاد حيث يفرض أن حكم العقل هذا كاف لدعوة المكلف إلى الفعل الحسن واندفاع إرادته للقيام به ، فلا حاجة إلى جعل الداعي من قبل المولى ثانيا ، بل يكون عبثا ولغوا ، بل هو مستحيل لأنه يكون من باب تحصيل الحاصل . وعليه ، فكل ما يرد في لسان الشرع من الأوامر في موارد المستقلات العقلية لا بد أن يكون تأكيدا لحكم العقل لا تأسيسا . نعم لو قلنا بأن ما تطابقت عليه آراء العقلاء هو استحقاق المدح والذم فقط ، على وجه لا يلزم منه استحقاق الثواب والعقاب من قبل المولى ، أو أنه يلزم منه ذلك بل هو عينه ولكن لا يدرك ذلك كل أحد فيمكن ألا يكون نفس إدراك استحقاق المدح والذم كافيا لدعوة كل أحد إلى الفعل إلا للأفذاذ من الناس ، فلا يستغني أكثر الناس عن الأمر من المولى المترتب على موافقته الثواب وعلى مخالفته العقاب في مقام