الأرض ) الخلافة . فوجود الإنسان في الأرض هو وجود خلافتي يراد منه إعمارها . والهدف من خلق الإنسان العبادة ، وهذان إنما يتحققان على هدى ما ينصبه اللّه سبحانه وتعالى من الدلائل التي تكمل إدراك العقول الفطري لمناهج السلوك في هذه الحياة خلافة في الأرض وعبادة للّه سبحانه وتعالى .
وقد أنزل اللّه على رسله الكرام في جميع عهود التاريخ هذه الرسالات التي تشرح للبشر مغزى حياتهم وتهديهم إلى مسالك هذه الحياة وفقا لفطرة اللّه ولغاياته في الخلق والوجود ، وختم اللّه هذه الرسالات بأكملها وأعلاها وأوسعها على لسان خاتم النبيين محمد صلى اللّه عليه وآله وصحبه الذين اتبعوه بإحسان ، وهذه الرسالة الخاتمة المباركة اشتملت على ثلاث أطر كبرى تتعلق بالسلوك البشري :
اشتملت على العقيدة التي تقوم عليها رؤية الإنسان للكون والحياة والإنسان ومركز الإنسان في الكون والحياة ، واشتملت على الشريعة التي تحدّد الأطر السلوكية لحياة الإنسان سواء في ذلك علاقته مع اللّه ، العلاقة المباشرة مع اللّه والتعبير عنها في العبادة ، أو في علاقته مع الطبيعة ومع البشر الآخرين ، ( المجتمع وسائر الناس ) وهذه ينطبق عليها عنوان المعاملات في وجه عام ، والإطار الثالث هو الإطار الأخلاقي الذي يمثل الطموح نحو الكمال الاسمي الذي جعله اللّه هدفا لحركة الإنسان في حياته ، بحيث يتجاوز ما طلبه اللّه منه إلى ما ندبه اللّه إليه سواء في علاقته مع اللّه - وهذا يدخل فيه حقل العرفان والتصوف - أو في علاقته مع البشر ، وهذا يدخل فيه حقل الإحسان سواء إلى البشر أو إلى سائر مظاهر الحياة الأخرى .
وهذه الشريعة ليست قوالب جامدة كما أنها ليست كلها أحكاما نهائية ، كما أنها ليست كلها أحكاما محدودة بجيل من الأجيال وعصر من العصور ومحددة في مجال معين من مجالات حياة الإنسان ، بل هي منهج عام لحياة البشر في جميع أبعادها على مدى تاريخ البشرية الآتي وعلى مدى عمر الدنيا .
ومن المعلوم أن مبدأ الخلافة في الأرض يجعل الإنسان في حالة تطور وتقلب من حال إلى حال ، ومن طور إلى طور ، وتتجدد تبعا لذلك احتياجاته ومشاكله ووجوه علاقته مجتمعا وفردا وأسرة مع البشر الآخرين ومع الطبيعة .
المقدمات والتنبيهات في شرح أصول الفقه — صفحة 8
مساهمون: الشيخ محمود قانصوه الشهابي العاملي
ص٨