ويجاب عن المقال : أن من الواضح وحدة مفاد أدلة البراءة المذكورة ومفاد دليل الاستصحاب في هذا الباب بلا تناف وتعاند ، وعليه : فكل واحد دليل مستقل برأسه ، ومن كان غير مذعن بأحدهما أو غير ملتفت إليه فليحصل التأمين بالتنجيز أو التعذير بذاك الآخر .
ويمكن الاستفادة من الاستصحاب فيما إذا عومل مع دليلي البراءة والاحتياط معاملة المتكافئين المتعارضين وبعد التساقط يرجع إلى استصحاب عدم فعلية التكليف من الأول إلى الآن ، وتأتي الإشارة إلى ذلك فيما بعد إن شاء اللّه تعالى .
وفذلكة البحث : أن المقصد الرابع من الكتاب الحاضر موضوعه الشك بالحكم والتحير فيه ، أي : عدم تمامية دليل عليه عند الباحث .
والشك على قسمين : 1 - شك بدوي وأنه محور أصل البراءة ، كنا نحن في مقام التماس الحجة عليه وقد فرغنا - بحمد اللّه - إلى هنا عن إقامة آيات خمس وأحاديث كذلك على ذلك .
2 - شك محفوف بالعلم الإجمالي ، يأتي كلام حوله يناسب وضع الكتاب .
* * *
شرح
تفصيلي وشك بدوي بطلت منجزيته ، وجرت الأصول المؤمنة خارج نطاق العلم التفصيلي .
والاعتراض الثاني : أن أدلة البراءة معارضة بأدلة شرعية ، وروايات تدل على وجوب الاحتياط ، وهذه الروايات إما رافعة لموضوع أدلة البراءة ، وإما مكافئة لها ، وذلك أن هذه الروايات بيان لوجوب الاحتياط لا للتكليف الواقعي المشكوك .
فدليل البراءة إن كانت البراءة فيه مجعولة في حق من لم يتم عنده البيان لا على التكليف الواقعي ، ولا على وجوب الاحتياط ، كانت تلك الروايات رافعة لموضوع البراءة المجعولة فيه ، باعتبارها بيانا لوجوب الاحتياط ، وإن كانت البراءة في دليلها مجعولة في حق من لم يتم عنده البيان على التكليف الواقعي ، فروايات الاحتياط لا ترفع موضوعها ، ولكنها تعارضها ، ومع التعارض لا يمكن أيضا الاعتماد على أدلة البراءة ، وإلّا يلزم الترجيح بلا مرجح . ومثال النحو الأول من أدلة البراءة :
البراءة المستفادة من قوله تعالى :وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ،فإن الرسول اعتبر كمثال لمطلق البيان وإقامة الحجة . وإقامة الحجة كما تحصل بإيصال الحكم الواقعي ، كذلك بإيصال وجوب الاحتياط . فروايات وجوب الاحتياط بمثابة بعث الرسول ، وبذلك ترفع موضوع البراءة .
ومثال النحو الثاني : من أدلة البراءة المستفادة من حديث الرفع أو الحجب ، فإن مفاده : الرفع الظاهري للتكليف الواقعي المشكوك ، ومعنى الرفع الظاهري : عدم وجوب الاحتياط ، فالبراءة المستفادة من هذا الحديث وأمثاله تستبطن بنفسها نفي وجوب الاحتياط وليس منوطة بعدم ثبوته .