وهذا الاستصحاب مقدم على دليل الاحتياط لو تم له ظهور في اللزوم ، فإن موضوعه احتمال النهي والمنع وثبوت التكليف ، والاستصحاب رافع لهذا الاحتمال ، وحينئذ : ينصرف ذاك الظهور إلى موارد العلم الإجمالي والشك في المكلف به .
قد يقال : أن الاستدلال بالاستصحاب على البراءة مغن عن القيل والقال في جهة الاستدلال عليها بالأدلة اللفظية والعقلية ؛ لأنه من الأدلّة المحرزة وبلحاظ إحرازه اللساني مقدم على سائر الأصول العملية ، ولقد قرع الأسماع أن الاستصحاب عرش الأصول وفرش الأمارات ، ومعه يكون الاستدلال على البراءة بالكتاب والسنة والعقل والإجماع لغوا .
شرح
ومنها : أنه حتى إذا آمنا بقاعدة قبح العقاب بلا بيان فلا شك في : أن قبح العقاب على مخالفة تكليف مشكوك لم يصل إذن الشارع فيه ثابت بدرجة أقل من قبحه على مخالفة تكليف مشكوك قد بين إذن في مخالفته بالاستصحاب . والمطلوب بالاستصحاب تحقيق هذه الدرجة الأعلى من قبح العقاب والمعذرية ، وما هو ثابت بمجرد الشك الدرجة الأدنى ( قاعدة قبح العقاب بلا بيان ) ، فليس هناك تحصيل للحاصل ، بمعنى : أنه يوجد فرق بين أن يكون مؤمنا من قبل الشارع ، والتأمين من قبل الشارع بالاستصحاب بعدم التكليف عند الشك أعلى درجة من التأمين من قبل العقل في ظرف الشك في التكليف .
ثم ذكر السيد الشهيد الصدر « قدّس سرّه » في حلقته الثانية اعتراضين على أدلة البراءة نذكرها ( بتصرف ) .
أحدهما : أن هذه الأدلّة إنما تشمل حالة الشك البدوي ، ولا تشمل حالة الشك المقترن بعلم إجمالي ، والفقيه حينما يلحظ الشبهات الحكمية ككل ، يوجد لديه علم إجمالي بوجود عدد كبير من التكاليف المنتشرة في تلك الشبهات ، فلا يمكنه إجراء أصل البراءة في أي شبهة من تلك الشبهات لأنها طرف من علم الإجمالي ، فكل طرف محتمل يكون فيه الحكم .
الجواب : إن العلم الإجمالي المذكور وإن كان ثابتا ولكنه منحل إلى العلم التفصيلي ، لأن الفقيه من خلال استنباطه وتتبعه يتواجد لديه علم تفصيلي بعدد محدد من التكاليف لا يقل عن العدد الذي كان يعلمه بالعلم الإجمالي في البداية ، ومن هنا يتحول علمه الإجمالي إلى علم تفصيلي بالتكليف في هذه المواقع ، وشك بدوي في التكليف في سائر المواقع الأخرى ومثاله : إذا وجدت كأسين من ماء قد يكون كلاهما نجسا وقد يكون أحدهما نجسا فقط ، ولكنك تعلم على أي حال بأنهما ليسا طاهرين معا ، فينشأ في نفسك علم إجمالي بنجاسة أحد الكأسين لا على سبيل التعيين ، فإذا اتفق لك بعد ذلك أن اكتشفت نجاسة في أحد الكأسين وعلمت أن هذا الكأس المعين نجس ، فسوف يزول علمك الإجمالي بسبب هذا العلم التفصيلي ، لأنك الآن بعد اكتشافك نجاسة ذلك الكأس المعين لا تعلم إجمالا بنجاسة أحد الكأسين لا على سبيل التعيين ، بل تعلم بنجاسة ذلك الكأس المعين علما تفصيليا وتشك في نجاسة الآخر . فتجري فيه أصالة البراءة ، وإذا انحل العلم الإجمالي إلى علم