وقد وقعت المناقشة في المقدمتين معا . ويكفي في المناقشة ثبوت الاحتمال فيبطل به الاستدلال ، لأن مثل هذه المقدمات يجب أن تكون قطعية وإلّا فلا يثبت بها المطلوب ولا تقوم بها للاستصحاب ونحوه حجة .
أما ( الأولى ) : فقد ناقش فيها أستاذنا : الشيخ النائيني « رحمه اللّه » : بأن بناء العقلاء لم يثبت إلّا فيما إذا كان الشك في الرافع ، أما إذا كان الشك في المقتضى فلم يثبت منهم هذا البناء على ما سيأتي من معنى المقتضى والرافع اللذين يقصدهما الشيخ الأنصاري . فيكون بناء العقلاء هذا دليلا على التفصيل المختار له وهو القول التاسع .
ولا يبعد صحة ما أفاده من التفصيل في بناء العقلاء ، بل يكفي احتمال اختصاص بنائهم بالشك في الرافع ، ومع الاحتمال يبطل الاستدلال كما سبق .
وأما المقدمة الثانية : فقد ناقش فيها شيخنا الآخوند في الكفاية بوجهين نذكرهما ونذكر الجواب عنهما :
أولا : إن بناء العقلاء لا يستكشف منه اعتبار الاستصحاب عند الشارع إلّا إذا أحرزنا أن منشأ بنائهم العملي هو التعبد بالحالة السابقة من قبلهم ، أي : أنهم يأخذون بالحالة السابقة من أجل أنها سابقة ، لنستكشف منه تعبد الشارع ، ولكن ليس هذا بمحرز منهم إذا لم يكن مقطوع العدم ، فإنه من الجائز قريبا أن أخذهم بالحالة السابقة لا لأجل أنها حالة سابقة بل لأجل رجاء تحصيل الواقع مرة ، أو لأجل الاحتياط أخرى ، أو لأجل اطمئنانهم ببقاء ما كان ثالثة ، أو لأجل ظنهم بالبقاء ولو نوعا رابعة ، أو لأجل غفلتهم عن الشك أحيانا خامسة . وإذا كان الأمر كذلك فلم يحرز تعبد الشارع بالحالة السابقة الذي هو النافع في المقصود .
والجواب : إن المقصود النافع من ثبوت بناء العقلاء هو ثبوت تبانيهم العملي على الأخذ بالحالة السابقة ، وهذا ثابت عندهم من غير شك ، أي : أن لهم قاعدة عملية تبانوا عليها ويتبعونها أبدا مع الالتفات والتوجه إلى ذلك ، أما فرض الغفلة من بعضهم أحيانا فهو صحيح ولكن لا يضر في ثبوت التباني منهم دائما مع الالتفات ، ولا يضر في استكشاف مشاركة الشارع معهم في تبانيهم اختلاف أسباب التباني عندهم من جهة مجرد الكون السابق ، أو من جهة الاطمئنان عندهم ، أو الظن لأجل الغلبة ، أو لأي شيء آخر من هذا القبيل ، فهي قاعدة ثابتة عندهم فتكون ثابتة أيضا عند الشارع ، ولا يلزم أن يكون ثبوتها عنده من جميع الأسباب التي لاحظوها ، وإذا
المفيد في شرح أصول الفقه — صفحة 371
مساهمون: ابراهيم اسماعيل الشهركاني
ص٣٧١