وأما ما ورد من النهي عن التفسير بالرأي - مثل النبوي المشهور : « من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار » - فالجواب عنه : أن التفسير غير الأخذ بالظاهر والأخذ بالظاهر لا يسمى تفسيرا ، على أن مقتضى الجمع بينها وبين تلك الأخبار المجوزة للأخذ بالكتاب والرجوع إليه حمل التفسير بالرأي - إذا سلمنا أنه يشمل الأخذ بالظاهر - على معنى التسرع بالأخذ به بالاجتهادات الشخصية من دون فحص ومن دون سابق معرفة وتأمل ودراسة ، كما يعطيه التعليل في بعضها بأن فيه ناسخا ومنسوخا ، وعاما وخاصا .
مع إنه في الكتاب العزيز من المقاصد العالية ما لا ينالها إلّا أهل الذكر ، وفيه ما يقصر عن الوصول إلى إدراكه أكثر الناس . ولا يزال تنكشف له من الأسرار ما كان خافيا على المفسرين كلما تقدمت العلوم والمعارف ؛ مما يوجب الدهشة ويحقق إعجازه من هذه الناحية .
والتحقيق : أن في الكتاب العزيز جهات كثيرة من الظهور تختلف ظهورا وخفاء ، وليست ظواهره من هذه الناحية على نسق واحد بالنسبة إلى أكثر الناس ، وكذلك كل كلام ، ولا يخرج الكلام بذلك عن كونه ظاهرا يصلح للاحتجاج به عند أهله .
بل قد تكون الآية الواحدة لها ظهور من جهة لا يخفى على كل أحد ، وظهور آخر يحتاج إلى تأمل وبصيرة فيخفى على كثير من الناس .
شرح
يكون موقوفا على فهم مضامين الكتاب بأن المعجزة الأساسية التي جاء بها النبي « صلى الله عليه وآله » عبارة عن القرآن الكريم ، فلا بد لهذا المسلم المخاطب بالقرآن أن يقال له : أنت يجب عليك أن تؤمن أولا بنبوة النبي « صلى الله عليه وآله » عن طريق هذه المعجزة ، ثم حينئذ يحاول أن يرتبط بالحجة . ففي المرحلة الأولى قبل أن يربط بالحجة لا بد أن يؤمن بالنبوة ، وإيمانه بالنبوة موقوف على فهم مضامين الكتاب لأن الكتاب هو المعجزة للنبي « صلى الله عليه وآله » ، فلا بد أن يفهمه أولا ، ثم بعد ذلك يرتبط بالإمامة .
وأما من ناحية شموخ المعاني الذي يستدعي الإجمال أيضا نقول : إن هذا لا نؤمن به لأنه ينافي الهدف الأصيل من إنزال القرآن الكريم ، وهو كونه هدى للناس وبلاغا ومنذرا . فلا بد أن تبين المعاني على نحو يؤثر في تحقق هذا الهدف ، وذلك موقوف على تيسير فهمه . فالصحيح أن ظواهر الكتاب الكريم حجة كظواهر السنة « 1 » .
هامش
( 1 ) كل ما كتبناه في مبحث ظواهر الكتاب الكريم معتمد على مصادر عديدة مع التصرف الكبير في العبارة وهذه المصادر كالتالي : الكفاية - الرسائل - الحلقة الثالثة ، ج 1 - تقريراتي لدرس فضيلة الأستاذ الشيخ هادي آل راضي على الحلقة الثالثة ، ج 1 .