شرح
هذا فضلا على أنه لو جاز تثنية « العين الباصرة » و « والعين النابعة » بقولنا : « جئني بعينين » لم يدل هذا على جواز استعمال اللفظ في أكثر من معنى ، بل هما كتثنية « القمرين ، الشمس والقمر » . أي : لا تدل التثنية إلا على تعدد المعنى بتكرار اللفظ ، وإرادة فردين من معنيين مختلفين ، فهو استعمال للمفرد الأول لوحده في معناه ، واستعمال للمفرد الثاني لوحده في معناه الآخر ، فكأنني قلت : « جئني بعين وعين » باستعمال الأولى في « الباصرة » والثانية في « النابعة » .
نعم : يمكن تصور صدره قد استعمل فيها اللفظ في أكثر من معنى وهي فيما لو قال : « جئني بعينين » وأراد جئني بفردين من الباصرة وبفردين من النابعة ، فقد استعملت العينان حينئذ في معنيين مجازا .
وهنا لا يجدي قول صاحب المعالم في أن التثنية بمنزلة تكرار اللفظ فيكون استعمالا حقيقيا ، لتعيّن إلغاء قيد الوحدة في مثل هذا الاستعمال ، وذلك لأن المثنى عند صاحب المعالم هو : ما أريد منه فردان من معنيين ، مع تقيد كل من المعنيين بقيد الوحدة أو فردان من معنى واحد مع تقيد كل من الفردين بقيد الوحدة أيضا ، فمعنى : « جئني بعينين » عنده إما جئني بعين جارية واحدة ، وبعين باصرة واحدة ، وإما بمعنى : جئني بعين جارية واحدة وبعين جارية أخرى واحدة ، فاستعمال العينيين في أربعة أفراد فردين من معنى ، وفردين من معنى آخر مجازي لإلغاء قيد الوحدة حينئذ .
- قد يقال : إذا كان المفرد وأيضا المثنى والجمع ، أخذ في الجمع قيد الوحدة في المعنى ، فما الفرق حينئذ بين المفرد ، والمثنى والجمع ؟
- الجواب : الفرق واضح ، وهو أن المراد من المفرد : هو الطبيعة الواحدة المقيدة بكونها في فرد واحد ، والمراد من المثنى : هو أيضا إما الطبيعة الواحدة المقيدة بكونها في فردين كل منهما مقيد بقيد الوحدة ، وإما الطبيعتين المقيدتين كل منهما بكونهما في فردين من كل منهما فقط لا أكثر . والمراد من الجمع :
هو إما الطبيعة الواحدة المقيدة بكونها في أكثر من فردين كل منهما مقيد بقيد الوحدة . وإما الطبائع المقيدة كل منهما بكونها في فردين من كل منهما .
وهم : إننا يمكن أن نثبت وقوع الاشتراك في ألفاظ القرآن فيها ، بأخبار مفادها أن للقرآن بطونا سبعة أو سبعين ، والوقوع أدل دليل على الجواز .
دفع : إن كون القرآن له بطون لا يدل على استعمال ألفاظ القرآن فيها ، وأنها مرادة على نحو استعمل اللفظ فيها ، بل يمكن توجيهها بأحد وجهين .
الوجه الأول : إمكان أن تكون البطون مرادة بالاستقلال من دون دلالة للألفاظ عليها ، ولكنها أريدت مقارنة لاستعمال الألفاظ في معانيها ، فالألفاظ لم تدل على تلك المعاني حتى الدلالة الالتزامية .
الوجه الثاني : إمكان أن تكون البطون مرادة بالتبع ، على نحو تدل الألفاظ عليها بالدلالة الالتزامية ؛ وإن كانت أفهامنا قاصرة عن إدراك لوازم الألفاظ جميعها « 1 » .
هامش
( 1 ) المصادر : 1 - محاضرات في أصول الفقه ، ج 1 ، ص 205 - 213 .
2 - تقريراتي لدرس الكفاية لفضيلة الشيخ باقر الإيرواني ( بتصرف ) .
3 - منتهى الدراية في شرح الكفاية ، ج 1 ، ص 176 - 194 .
4 - منتهى الأصول ، ج 1 ، ص 113 - 116 .