تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المفيد في شرح أصول الفقه — صفحة 491

مساهمون:

ص٤٩١
وهي أن كثيرا من الناس نجدهم يحرصون - بسبب تهاونهم - على فعل بعض العبادات المندوبة في ظرف وجوب شيء هو ضد للمندوب ، فيتركون الواجب ويفعلون المندوب ، كمن يذهب للزيارة أو يقيم مأتم الحسين « عليه السلام » وعليه دين واجب الأداء . كما نجدهم يفعلون بعض الواجبات العبادية في حين أن هناك عليهم واجبا أهم فيتركونه ، أو واجبا مضيق الوقت مع أن الأوّل موسع فيقدّمون الموسع على المضيق ، أو واجبا معينا مع أن الأوّل مخير ، فيقدمون المخير على المعين . . . وهكذا .
شرح
وتلعب مع الصبيان ) . هنا اجتمعا أمران ترتبيان متضادان طوليا ، ووقوع ذلك في الأمثلة العرفية أقوى دليل على إمكانه . هذا الإشكال أورد على الشّيخ الآخوند الخرساني . جواب الآخوند الخرساني على هذا الإشكال هو ما يلي : إنّ وقوع الترتب في العرفيات لا يدلّ على وقوع الترتب في الشرعيات ، لأنه يحتمل في الأمثلة العربية أحد وجهين : إما : صدور الأمر بالمهم ( الجلوس في البيت والكتابة ) بعد التجاوز ورفع اليد عن أمر الأهم ( الذهاب إلى المعلم ) ، ففي صورة عدم الإتيان بالأهم لا أمر إلا أمر المهم ، فليس هنا أمران بالضدين حتى يصبح اجتماعهما على نحو الترتب . - وإما : أن يكون الأمر بالمهم أمرا إرشادا إلى محبوبية غير الأهم ( الكتابة في المثال ) بمعنى : عدم كون الأمر في هذا المورد مولويا ، بل هو إرشادي ، بأن يكون إرشادا إلى محبوبيّة المهم ( الكتابة ) ، وبقائه بعد عصيان الأمر بالأهم على ما كان عليه من المصلحة . إذا : الأمر بالمهم إرشاد إلى محبوبيته وبقائه على ما هو عليه من المصلحة والمحبوبية لولا مزاحمته بالذهاب إلى المعلم . فالمحبوبية موجودة قبل المزاحمة وبعد المزاحمة ، فهو يستحق للثواب إذا فعلها لمحبوبيتها وفي نفس الوقت : يستحق للعقاب لعصيانه للأمر الأهم . إذا : الأمر المولوي متعلق بالأهم ، وأما المهم : فأمره إرشادي ، فليس هنا أمران مولويان فعليّان متعلقان بالضدين . قال الآخوند صاحب الكفاية في كفايته في مقام بيان استحالة الترتب ما يلي : إنه لا يمكن للقائلين بالترتب الالتزام بلازمه ، وهو تعدد استحقاق العقوبة عند ترك الأهم والمهم معا ، لأنّ المؤاخذة على أمر غير مقدور قبيح - على الحكيم - وقبح تعدد الاستحقاق كاشف عن عدم قدرة المكلف على الجمع بينهما ، وهذا دليل على عدم تعلق الخطاب بالأهم والمهم معا على نحو الترتب ، لأن القدرة شرط في التكليف ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها . وبعبارة واضحة نقول : إذا كان القول بالترتب ممكنا لازمه : إذا دخل المكلف المسجد لصلاة ووجد نجاسة فيه فهنا وجوب الإزالة ، فإذا لم يزل النجاسة ولم يصلّ يكون قد خالف أمرين وعليه : يستحق عقابين وهذا بعيد جدا لأن المكلف في هذا المورد لا يستطيع أن يمتثل بالأمرين معا أي : لا يستطيع أن يزيل النجاسة ويصلي في آن واحد ، وهذا دليل على أن كلا الأمرين معا غير ممكن وجودهما ؛ بل
المفيد في شرح أصول الفقه — صفحة 491 | ابراهيم اسماعيل الشهركاني