ولأجل التوفيق بين هاتيك البديهيات العقلية التي يبدو كأنها متعارضة - وإن كان يستحيل التعارض في الأحكام العقلية وبديهيات العقل ( 1 ) - حاول جماعة من أعلام الأصوليين المتأخرين تصحيح ذلك بفرض انفكاك زمان الوجوب عن زمان الواجب وتقدمه عليه ، إما في خصوص الموقتات ( 2 ) أو في مطلق الواجبات ( 3 ) ، على اختلاف المسالك .
وبذلك يحصل لهم التوفيق بين تلكم الأحكام العقلية ، لأنه حينما يفرض تقدم وجوب ذي المقدمة على زمانه فلا مانع من فرض وجوب المقدمة قبل وقت الواجب ، وكان استحقاق العقاب على ترك الواجب على القاعدة لأن وجوبه كان فعليا حين ترك المقدمة .
أما كيف يفرض تقدم زمان الوجوب على زمان الواجب وبأي مناط ؟ فهذا ما اختلفت فيه الأنظار والمحاولات .
فأول المحاولين لحل هذه الشبهة - فيما يبدو - صاحب الفصول ، الذي قال بجواز تقدم زمان الوجوب على طريقة ( الواجب المعلق ) الذي اخترعه كما أشرنا إليه في المجلد الأوّل ص 198 . وذلك في خصوص الموقتات ، بفرض : أن الوقت في الموقتات وقت للواجب فقط لا للوجوب ، أي : إن الوقت ليس شرطا وقيدا للوجوب بل هو قيد للواجب . فالوجوب - على هذا الفرض - متقدم على الوقت ولكن الواجب معلق على حضور وقته ( 4 ) . والفرق بين هذا النوع وبين الواجب المشروط هو : أن التوقف
شرح
( 1 ) لأن العقل لا يحكم بنقيض حكمه .
( 2 ) هذا إشارة إلى قول صاحب الفصول الذي يقول : بأن القيود الزمانية هي القيود للواجب ، وأما القيود العامة كالقدرة فإنها راجعة للوجوب .
( 3 ) إشارة إلى رأي الشّيخ الأنصاري الذي منع من رجوع القيود إلى الهيئة وأرجعها إلى المادة ( الواجب ) .
( 4 ) ومحصل المحاولة التي طرحها صاحب الفصول ، حيث اخترع الواجب المعلق فقال : إن الوقت ليس قيدا في الوجوب ، وإنّما هو قيد في الواجب ( الصوم ) ، فوجوب الصوم ثابت قبل طلوع الفجر ، غاية الأمر : أن الواجب ( الصوم ) معلق على طلوع الفجر ، وقد أجاب عنها القوم : أن هذه المحاولة تقتضي التفكيك بين التحريك والتحرك فنقول : بأن التحريك نحو الواجب ثابت قبل طلوع الفجر ، مع إن المكلف لا يستطيع التحرك نحوه ، وهذا غير معقول إذ لا يمكن أن يوجد تحريك بلا إمكان التحرك .