بالمقدمة بقصد التوصل إلى ذيها وإطاعة أمر ذيها . فالمقصود بالامتثال به نفس أمر ذيها .
ومن هنا استشكلوا في عبادية بعض المقدمات كالطهارات الثّلاث ( 1 ) . وسيأتي حله إن شاء الله تعالى .
4 - إن الوجوب الغيري تابع لوجوب ذي المقدمة إطلاقا واشتراطا وفعلية وقوة ،
شرح
( 1 ) نقول في حل هذا الإشكال : بأن الطهارات الثّلاث عبادة في نفسها ، ونص الدليل عليها لا إن الثّواب عليها بما هي مقدمة . ولذا قال صاحب الكفاية في كفايته ( بتصرف ) : فالتحقيق أن يقال : أنّ المقدّمة فيها بنفسها مستحبة وعبادة ، وغايات الطهارات الثلاث ( الوضوء والغسل والتيمم ) إنما تكون متوقفة على إحدى هذه العبادات ، فلا بدّ أن يؤتى بالطهارات الثلاث عبادة ، وإن لم يؤت بالطهارات الثلاث على وجه العبادة فلم يؤت بما هو مقدّمة لصلاة . فقصد القربة فيها إنما هو لأجل كون الطهارات الثلاث في نفسها أمورا عبادية ، ومستحبات نفسيّة ، لا لكونها مطلوبات غيره . وبعبارة أخرى : بعد أن صارت الطهارات الثلاث في أنفسها عبادات ، يندفع إشكال قصد القربة القائل : إذا كان الأمر الغيري بما هو لا إطاعة له ، ولا قرب في موافقته ، ولا مثوبة على امتثاله ، فكيف حل بعض المقدمات كالطهارات الثلاث ؟ حيث لا شبهة في حصول الإطاعة والقرب والمثوبة بموافقة أمر الطهارات الثلاث . هذا ومضافا إلى إن الأمر الغيري لا شبهة في كونه توصليا أي الغرض منه هو :
التوصّل إلى ذي المقدمة ، وعليه : لا يعتبر منه قصد القربة ، مع إنّه لا شبهة عندهم عدم صحة الطهارات الثلاث إلا بقصد القربة . إذا : لا مورد لهذا الإشكال على الطهارات الثلاث بأنه كيف يترتّب عليها القرب والثواب مع كون أوامرها غيرية ؟ قلنا : إن المقدمة ( الطهارات الثلاث ) هي بنفسها أمر نفسي استحبابي . فالمقدمة وهي الطهارة عبادة ، والثواب مترتب على أمرها النفسي الاستحبابي العبادي فلا إشكال . . .
إلا أن صاحب منتهى الدراية في توضيح الكفاية قال : أشار الشيخ الآخوند إلى إشكال تعرّض له في التقريرات ، وحاصله : أنه بناء على كون الطهارات مطلوبات نفسيّة عبادية ، فلا بدّ من الإتيان بها عبادة من قصد أمرها النفسي ولو في ضمن الطلب الوجوبي الغيري . وهذا خلاف طريقة الفقهاء ، لبنائهم على الاكتفاء بإتيان الطهارات بداعي أمرها الغيري ، وعدم اعتبار قصد أمرها النفسي ، وهذا كاشف عن كون عباديّتها بالأمر الغيري ، فيعود المحذور ، وهو : إنه كيف يصح التقرّب بالأمر الغيري التوصلي ، وتصحيح العبادية به ؟
ودفع هذا الإشكال : أن الاكتفاء بالأمر الغيري إنّما هو لأجل إنّه لا يدعو إلا إلى ما هو مقدّمة واقعا ، والمفروض : أنّ المقدّمة بما هي مقدّمة من المطلوبات النفسيّة ، فقصد الأمر الغيري قصد إجماليّ للأمر النفسي المتقدّم عليه رتبة ، وهذا المقدار كاف في قصد الأمر النفسي الموجب للعبادية والمثوبة .
وبالجملة : فالأمر الغيري يتعلق بالعبادة ، فقصده يوجب قصد الأمر النفسي العبادي ضمنا ، وهو المصحّح للعباديّة ، لا الأمر الغيري .