( الأوّل ) : إن الحاكم في قضايا التأديبات العقل العملي ، والحاكم في الأوليات العقل النظري .
( الثّاني ) : إن القضية التأديبية ( 1 ) لا واقع لها إلا تطابق آراء العقلاء والأوليات لها واقع خارجي .
( الثّالث ) : إن القضية التأديبية لا يجب أن يحكم بها كل عاقل لو خلي ونفسه ولم يتأدب بقبولها والاعتراف بها ، كما قال الشيخ الرئيس على ما نقلناه من عبارته فيما سبق في الأمر الثّاني . وليس كذلك القضية الأولية التي يكفي تصور طرفيها في الحكم ، فإنه لا بد ألا يشذ عاقل في الحكم بها لأوّل وهلة .
2 - ومن أدلتهم على إنكار الحسن والقبح العقليين أن قالوا : إنه لو كان ذلك عقليا لما اختلف حسن الأشياء وقبحها باختلاف الوجوه والاعتبارات كالصدق إذ
شرح
آخر ، وهذا الآخر أيضا موجود ، فيلزم أن يكون له وجود ثالث . . . وهكذا فيتسلسل إلى غير النهاية ، ولأجله أنكر هذا القائل أصالة الوجود فذهب إلى أصالة الماهية .
- ولكن نقول : إن هذا الزعم ناشئ عن الغفلة عن معنى ( موجود ) - على حد تعبير الشّيخ المظفر - فإنه قد يتضح للفظ موجود معنى آخر أوسع من الأول ، وهو المعنى المشترك الذي يشمله ويشمل معنى ثان ، وهو ما لا يكون الوجود زائدا عليه بل كونه موجودا هو بعينه كونه وجودا ، لا إن له وجودا آخر ، وذلك بأن يكون معنى موجود منتزعا من صميم ذات الوجود لا بإضافة وجود آخر زائد عليه . فإنه يقال - مثلا - : الإنسان موجود وهو صحيح ، ولكن بإضافة الوجود إلى الإنسان ، ويقال أيضا : الوجود موجود كالإنسان موجود ( أي : ما كان موجود في ذاته ) ، وهو صحيح أيضا ، ولكن بنفسه لا بإضافة وجود ثان إليه ، وهو أحق بصدق الموجود عليه ، كما يقال : الجسم أبيض بإضافة البياض إليه ، ويقال :
البياض أبيض ، ولكنه بنفسه لا ببياض آخر ، وصدق الأبيض عليه أولى من صدقه على الجسم الذي صار أبيض في ذاته بتوسط إضافة البياض إليه .
وعلى هذا : يكون المشتق منتزعا من نفس الذات المتصفة بدلا من إضافة شيء خارج عنها إليها .
فتكون كلمة أبيض ( وكذلك كلمة موجود ونحوها ) معناها أعم مما كان منتزعا من اتصاف الذات بالمبدأ الخارج عنها ، ومما كان منتزعا من نفس الذات التي هي نفس المبدأ .
فإذا زال الالتباس واتضح للعقل معنى كلمة ( موجود ) لا يتردد في صحة حملها على الوجود ، بل يراه أولى في صدق الموجود عليه من غيره ، كما لم يتردد في صحة حمل الأبيض على البياض . ولا تحتاج مثل هذه القضية وهي ( الوجود موجود ) إلى البرهان ، بل هي من الأوليات ، وإن بدت غير واضحة للعقل قبل تصور معنى موجود ، وصارت من أدق المباحث الفلسفية ويبتني عليها كثير من مسائل علم الفلسفة الدقيقة .
( 1 ) المقصود من التأديبات هي المشهورات .