العقلاء ( 1 ) إلا من باب علية الموضوع لمحموله ( 2 ) .
6 - أدلة الطرفين :
بتقديم الأمور السابقة نستطيع أن نواجه أدلة الطرفين بعين بصيرة ؛ لنعطي الحكم العادل لأحدهما ونأخذ النتيجة المطلوبة . ونحن نبحث عن ذلك في عدة مواد ، فنقول :
1 - إنا ذكرنا أن قضية الحسن والقبح من القضايا المشهورات ، وأشرنا إلى ما كنتم درستموه في الجزء الثّالث من المنطق من أن المشهورات قسم يقابل الضروريات الست كلها . ومنه نعرف المغالطة في دليل الأشاعرة وهو أهم أدلتهم إذ يقولون :
« لو كانت قضية الحسن والقبح مما يحكم به العقل لما كان فرق بين حكمه في هذه القضية وبين حكمه بأن الكل أعظم من الجزء . ولكن الفرق موجود قطعا إذ الحكم الثّاني لا يختلف فيه اثنان مع وقوع الاختلاف في الأوّل » .
وهذا الدليل من نوع القياس الاستثنائي فيه نقيض التالي لينتج نقيض المقدم ( 3 ) .
والجواب عنه : إن المقدمة الأولى ، وهي الجملة الشرطية ممنوعة ، ومنعها يعلم مما تقدم آنفا ، لأن قضية الحسن والقبح - كما قلنا - من المشهورات ، وقضية أن الكل أعظم من الجزء من الأوليات اليقينيات ( 4 ) ، فلا ملازمة بينهما وليس هما من باب
شرح
( 1 ) ما هو الفرق بين العلية التي بمعنى التأثير والإيجاد وبين العلية التامّة والاقتضاء ؟ الفرق بينهما هو :
أن العلة بمعنى الإيجاد والتأثير في الأمر التكويني كما في النّار ، فإنّها تكون علة بمعنى المقتضي ، أي بمعنى : أنّها مؤثر في إيجاد الإحراق في حالة احتفافها بعدم المانع ووجود الشرط ، بينما المراد هنا من العلة والاقتضاء أن تكون موضوعا لحكم العقلاء بالحسن والقبح ، وأين هذا المعنى من ذاك ؟
( 2 ) توضيح عبارة المصنّف في قوله : « إلا من باب علية الموضوع لمحموله » هو : أن عليّة حكم العاقل بحسن العدل هو تصور العاقل عنوان العدل ، فعند تصور العاقل حسن عنوان العدل ، يأتي حاكما بكونه حسنا ، إذا : العلية في حكم العاقل هو تصوره وإدراكه لا إن عنوان العدل هو سبب الحكم ، فإن عنوان العدل ما هو إلا موضوع ثبت له الحسن .
أدلة الطرفين : ( 3 ) وبتعبير آخر : لو كان الحسن والقبح عقليان لما اختلف فيهما اثنان ، ولكن الاختلاف حاصل ينتج إنّهما ليسا بعقليين .
( 4 ) بل قد يقال : حتى لو قلنا بأنّهما عقليان ضروريان ، يمكن أن نمنع هذه الشرطية ، وذلك لأنّ الضروريات قد يقع الاختلاف فيهما بعروض شبهة في مقابل بديهة ، وقد ذكرت مناشئ عروض الشبهة في المنطق وهي خمسة :