واحد حتى يلزم من كون القضية الأولى مما يحكم به العقل ألا يكون فرق بينها وبين القضية الثّانية . وينبغي أن نذكر جميع الفروق بين المشهورات هذه وبين الأوليات ( 1 ) ، ليكون أكثر وضوحا بطلان قياس أحدهما على الأخرى . والفارق من وجوه ثلاثة :
شرح
1 - الانتباه : وهذا السبب مطرد في جميع البديهيات ، فالغافل قد يخفى عليه أوضح الواضحات .
2 - سلامة الحواس : وهذا خاص بالبديهيات المتوقفة على الحواس الخمس ، وهي المحسوسات ، فإن الأعمى وضعيف البصر يفقد كثيرا من العلم بالمنظورات ، وكذا الأصم في المسموعات وفاقد الذائقة في المذوقات . وهكذا . . .
3 - سلامة الذهن : وهذا مطرد أيضا ، فإن من كان سقيم الذهن قد يشك في أظهر الأمور أو لا يفهمه . وقد ينشأ هذا القسم من نقصان طبيعي أو مرض عارض أو تربية فاسدة .
4 - فقدان الشبهة : والشبهة : أن يؤلف الذهن دليلا فاسدا يناقض بديهة من البديهيات ويغفل عما فيه من المغالطة ، فيشك بتلك البديهية أو يعتقد بعدمها وهذا يحدث كثيرا في العلوم الفلسفية والجدليات ، فإن من البديهيات عن العقل : أن الوجود والعدم نقيضان وأن النقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان ، ولكن بعض المتكلمين دخلت عليه الشبهة في هذه البديهة ، فحسب أن الوجود والعدم لهما واسطة وسماها ( الحال ) فهما يرتفعان عندها . ولكن مستقيم التفكير إذا حدث له ذلك وعجز عن كشف المغالطة يردها ويقول : إنها ( شبهة في مقابل البديهة ) .
5 - عملية غير عقلية : كثير من البديهيات ، كالاستماع إلى كثيرين يمتنع تواطؤهم على الكذب في المتواترات ، وكالتجربة في التجربيات ، وكسعي الإنسان لمشاهدة بلاد أو استماع صوت في المحسوسات . . . وما إلى ذلك . فإذا احتاج الإنسان للعلم بشيء إلى تجربة طويلة وعناء عملي ، فلا يجعله ذلك علما نظريا ما دام لا يحتاج إلى الفكر ولا يحتاج إلى عملية عقلية .
( 1 ) حتى يتضح المطلب لا بدّ من إيضاح معنى الأوليات . وقد ذكر في المنطق للشيخ المظفر معنى الأوليات بإيضاح وافي . فالأوليات هي قضايا يصدّق بها العقل لذاتها ، ( أي : الذي لا يحتاج في إثباتها إلى مقدمات ) أي : بدون سبب خارج عن ذاتها ، بأن يكون تصور الطرفين مع توجه النفس إلى النسبة بينهما كافيا في الحكم والجزم بصدق القضية ، فكلما وقع للعقل أن يتصور حدود القضية - الطرفين - على حقيقتها وقع له التصديق بها فورا عندما يكون متوجها لها . وهذا مثل قولنا : « الكل أعظم من الجزء » و « النقيضان لا يجتمعان » .
وهذه ( الأوليات ) منها ما هو جلي عند الجميع إذ يكون تصور الحدود حاصلا لهم جميعا كالمثالين المتقدمين ، ومنها ما هو خفي عند بعض لوقوع الالتباس في تصور الحدود ، ومتى ما زال الالتباس بادر العقل إلى الاعتقاد الجازم . ونحن ذاكرون هنا مثالا دقيقا على ذلك مستعينين بنباهة الطالب الذكي على إيضاحه . وهو قولهم : « الوجود موجود » فإن بعض الباحثين اشتبه عليه معنى موجود ، إذ يتصور أن معناه : ( أنه شيء له الوجود ) ، فقال : لا يصح الحكم على الوجود بأنه موجود ، وإلا لكان للوجود وجود