وهذه التعبيرات كثيرا ما تجري على ألسنة الأصوليين ويقصدون بها المعنى الذي سنوضحه . وإن كان قد يقولون : « إن هذا ما يستقل به العقل » ولا يقصدون هذا المعنى ، بل يقصدون به معنى آخر ، وهو ما يحكم به العقل بالبداهة وإن كان ليس من المستقلات العقلية بالمعنى الآتي .
وعلى كل حال : فإن هذا التقسيم يحتاج إلى شيء من التوضيح فنقول :
إن العلم بالحكم الشرعي كسائر العلوم لا بد له من علة ، لاستحالة وجود الممكن بلا علة . وعلة العلم التصديقي لا بد أن تكون من أحد أنواع الحجة الثلاثة : القياس أو الاستقراء أو التمثيل . وليس الاستقراء مما يثبت به الحكم الشرعي ( 1 ) وهو واضح .
والتمثيل ليس بحجة عندنا ( 2 ) ، لأنه هو القياس المصطلح عليه عند الأصوليين الذي
شرح
( 1 ) لأنّ الاستقراء غالبا ما يكون ناقصا ، وهو يفيد الظن والظن العقلي ليس بحجة . وبعبارة أخرى :
عرف المناطقة الاستقراء بأنه هو : « أن يدرس الذهن عدة جزئيات فيستنبط منها حكما عاما » ؛ كما لو درسنا الحديد في مسألة تمدده بالحرارة وانكماشه بالبرودة على كثير من الحديد الموجود في الخارج ، نستنبط من هذا الاستقراء الناقص قاعدة عامة وهي : « الحديد يتمدد بالحرارة وينكمش بالبرودة » ، فالاستقراء في هذه الحالة يكون هو الأساس لجميع القواعد العامة ، لأن كما يقول الشيخ المظفر :
تحصيل القاعدة العامة والحكم الكلي لا يكون إلا بعد فحص الجزئيات واستقرائها ، فإذا وجدناها متحدة في الحكم نلخص منها القاعدة أو الحكم الكلي . فحقيقة الاستقراء هو الاستدلال بالخاص على العام إلا أن للاستقراء قسمين :
1 - استقراء تام وناقص . فإذا تم استقراء جميع جزئيات الحديد في الخارج : ووجدناها كلها تتمدد بالحرارة وتنكمش بالبرودة ، نستنبط قاعدة كلية على نحو اليقين : كل الحديد يتمدد بالحرارة وينكمش بالبرودة . وهذا عكس الاستقراء الناقص فهو لا يتم الفحص والاستقراء إلا ببعض الجزئيات ، وهذا النوع من الاستقراء لا يفيد إلا الظن أي : يعطينا حكما ظنيا لجواز أن يكون أحد جزئياته يتخلف عن الحكم .
والمراد من الاستقراء الذي أشار إليه المصنف : هو الاستقراء الناقص ، وهو كما عرفت ليس بحجة لظنيته .
( 2 ) وهو القياس الحنفي . ويعرف في المنطق هو : « أن ينتقل الذهن من حكم أحد الشيئين إلى الحكم على الآخر لجهة مشتركة بينهما » . وبعبارة أخرى هو : « إثبات الحكم في جزئي لثبوته في جزئي آخر مشابه له » .
و « التمثيل » هو المسمى في عرف الفقهاء ( بالقياس ) الذي يجعله أهل السنة من أدلة الأحكام الشرعية .
وأما الإمامية فينفون حجيته ويعتبرون العمل به محقا للدين وتضييعا للشريعة .
- ومثاله : إذا ثبت عندنا أن النبيذ يشابه الخمر في تأثير السكر على شاربه ، وقد ثبت عندنا أن حكم