شرح
وأيضا تعرف من هو العادل ومن هو الفاسق من أفراد العلماء وهذا هو المراد من وضوح المصداق وهذه الحالة لا إشكال في عدم جواز التمسك بالعام لإثبات حكم هذا الفرد لعدم انعقاد ظهور له في العموم ، بل لا ظهور للكلام إلا في الخصوص ، فإذا قال : « أكرم العلماء إلا فساقهم » فكأنه قال : « لا تكرم فساق العلماء » . وهذه الحالة خارجة عما نحن بصدده لأن الكلام في هذا الفصل ينحصر بالعام المخصص بكلام مجمل ومبهم مفهوما أو مصداقا . ولا أصل يوجب تحكيم العام أو الخاص . فتخرج حالة ما إذا كان الخاص واضحا من حيث المفهوم ، ومجملا من جهة المصداق ( أي : الفرد الخارجي المشتبه ) ؛ ولكن هناك أصل موضوعي كالاستصحاب يزيل الإجمال والإبهام عن المصداق ، إن كان ذلك عملت بموجب الأصل سواء أكانت نتيجة الحكم على الفرد المشكوك هي حكم العام أم حكم الخاص ، مثال ذلك : أن تعلم بأن زيدا العالم - من أكرم العلماء إلا فساقهم - كان عادلا فيما مضى ، ثم تشك : هل فعل ما يوجب الفسق ؟ فتستصحب عدالته ، وتثبت له حكم العام ( أي : وجوب الإكرام ) . أما إذا علمت بفسقه ، ثم شككت بتوبته وعدالته فأيضا تستصحب وتبقي ما كان على ما كان ، وتثبت له حكم الخاص . وهذه الصورة خارجة عن محل الكلام « 1 » .
إذا : المراد من الشبهة المصداقية هو : إذا اشتبه لأجل الأمور الخارجية فرد الخاص بغيره كما لو قال : « أكرم العلماء إلا زيدا الفاسق » ، وتردد فرد - لشبهة خارجية - بين كونه زيدا الفاسق والعادل ، فهذا يعبر عنه بالشبهة المصداقية ، وهذا البحث يعتبر من المباحث المهمة في الفقه لكثرة ورودها فيه . فإذا كان المخصص في المتصل نقول : لا يجوز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية وهذا محل اتفاق الجميع .
- وإنما الكلام وقع في حالة كون المخصص منفصلا هل يجوز التمسك بالعام أم لا ؟ قيل : بجواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية والدليل على ذلك : بقاء ظهور وجوب الإكرام في العموم ؛ لأن المخصص منفصل لا يمنع من انعقاد ظهورها في العموم إلا إذا زاحمته حجة أقوى ( وهي الخاص ) ، نأتي إلى الخاص ونلحظه هل هو حجة في هذا الفرد المشكوك أم لا ؟ فالخاص غير معلوم بل هو بحسب الفرد نشك في كونه زيدا الفاسق والعادل ، إذا : بحسب الفرض لا يكون الخاص حجة . وإنما يكون الخاص حجة للذي نعلم أنه زيد الفاسق والحال إنا لا نعلم أنه زيد الفاسق فيبقى العام حجة في هذا الفرد بلا مزاحم .
- قال صاحب الكفاية : « والتحقيق : عدم جواز التمسك بالعام في الشبهات المصداقية فيما إذا كان المخصص منفصلا . هذا كله إذا كان المخصص لفظيا ، وأما إذا كان المخصص لبيا : فإن المخصص مما يصح أن يتكل عليه المتكلم إذا كان بصدد البيان في مقام التخاطب فهو كالمتصل ، حيث لا يكاد ينعقد مع المخصص اللبي الواضح ظهور للعام إلا في الخصوص . وعليه : فلا يجوز التمسك بالعام في هذا القسم من المخصص اللبي لإحراز حكم الفرد المشكوك . وإن لم يكن المخصص واضحا : فالظاهر
هامش
( 1 ) راجع : 1 - أصول الفقه في ثوبه الجديد ، ص 164 - 174 .
2 - مباحث الدليل اللفظي ، ج 3 ، ص 261 - 287 .
3 - منتهى الدراية في شرح الكفاية ، ج 3 ، ص 505 .