تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المفيد في شرح أصول الفقه — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
ويكتفى بفعله مرة واحدة في ضمن الوقت المحدد له . ولا إشكال عند العلماء في ورود ما ظاهره التوسعة في الشريعة ، وإنما اختلفوا في جوازه عقلا على قولين : إمكانه وامتناعه ، ومن قال بامتناعه أوّل ما ورد على الوجه الذي يدفع الإشكال عنده على ما سيأتي .

[ جواز الموسع عقلا ووقوعه شرعا ]

والحق عندنا جواز الموسع عقلا ووقوعه شرعا . ومنشأ الإشكال عند القائل بامتناع الموسع : أن حقيقة الوجوب متقومة بالمنع من الترك - كما تقدم - فينافيه الحكم بجواز تركه في أوّل الوقت أو وسطه . والجواب عنه واضح ، فإن الواجب الموسع فعل واحد ، وهو طبيعة الفعل المقيد بطبيعة الوقت المحدود بحدين على ألا يخرج الفعل عن الوقت ، فتكون الطبيعة بملاحظة ذاتها واجبة لا يجوز تركها . غير أن الوقت لما كان يسع لإيقاعها فيه عدة مرات ، كان لها أفراد طولية تدريجية مقدرة الوجود في أوّل الوقت وثانية وثالثة إلى آخره ، فيقع التخيير العقلي بين الأفراد الطولية كالتخيير العقلي بين الأفراد العرضية للطبيعة المأمور بها ، فيجوز الإتيان بفرد وترك الآخر من دون أن يكون جواز الترك له مساس في نفس المأمور به ، وهو طبيعة الفعل في الوقت المحدود . فلا منافاة بين وجوب الطبيعة بملاحظة ذاتها وبين جواز ترك أفرادها عدا فرد واحد ( 1 ) . والقائلون بالامتناع التجئوا إلى تأويل ما ظاهره التوسعة في الشريعة ، فقال بعضهم : بوجوبه في أوّل الوقت ، والإتيان به في الزمان الباقي يكون من باب القضاء والتدارك لما فات من الفعل في أول الوقت . وقال آخر : بوجوبه في آخر الوقت ، والإتيان به قبله من باب النفل يسقط به الغرض ، نظير إيقاع غسل الجمعة في يوم الخميس وليلة الجمعة . وقيل غير ذلك . وكلها أقوال متروكة عند علمائنا ، واضحة البطلان . فلا حاجة إلى الإطالة في ردها .
شرح
( 1 ) وبعبارة أخرى : وقد أشكل على الموسع : بأنه مستلزم لترك الواجب في أول الوقت لجواز تأخيره إلى آخر وقت إمكان أدائه في الوقت ، وهذا دليل عدم وجوبه إلا في ذلك الوقت الأخير ؛ بحيث لو أخره لم يتمكن من الامتثال في الوقت الذي عين له . وجوابه : إن الواجب إذا كانت له أفراد ، وكان المطلوب الجامع بين تلك الأفراد - لا بنحو السريان بل بنحو صرف الوجوب - فالعقل يخير المكلف بين الأفراد ، وله إتيان أي فرد أراد . ولا فرق في نظر العقل في هذا الحكم بين الأفراد العرضية في زمان واحد ، أو الأفراد الطولية بحسب الأزمنة المتعددة .