يكون الواجب واجبا مطلقا ، فيكون الواجب فعليا قبل حصول الشرط ، فيجب عليه تحصيل مقدمات المأمور به إذا علم بحصول الشرط فيما بعد .
وهذا النزاع هو النزاع المعروف بين المتأخرين في رجوع القيد في الجملة الشرطية إلى الهيئة أو المادة . وسيجيء تحقيق الحال في موضعه إن شاء الله تعالى ( 1 ) .
3 - الأصلي والتبعي
( الواجب الأصلي ) : ما قصدت إفادة وجوبه مستقلا بالكلام ، كوجوبي الصلاة والوضوء المستفادين من قوله تعالى :
وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ
وقوله تعالى :
فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ .
و ( الواجب التبعي ) : ما لم تقصد إفادة وجوبه ، بل كان من توابع ما قصدت
شرح
( 1 ) يشكل صاحب الكفاية على صاحب الفصول على تقسيمه الواجب إلى المنجز والمعلّق .
وحاصله : هو أن المعلّق والمنجز كلاهما من الواجب المطلق المقابل للمشروط ، ومقتضى إطلاق الوجوب وفعليّته : إطلاق وجوب المقدمة وفعليّته ، فهذا التقسيم لغو بالنسبة إلى وجوب المقدمة ، لوجوبها فعلا على التقديرين ، حيث أنّ مناط وجوبها - وهو إطلاق وجوب ذي المقدمة - موجود في كل من المنجّز والمعلّق ، فلا أثر لهذا التقسيم بالنسبة إلى وجوب المقدمة أصلا .
وقد يرد أيضا إشكال كما عن صاحب الكفاية في كفايته : من أنه ربما حكي عن بعض أهل النظر ، ويقصد به المحقق النهاوندي على ما في حاشية المحقق المشكيني « قدّس سرهما » ؛ ووافقه جماعة من الأكابر ، وحاصل هذا الإشكال الذي هو أحد إشكالات الواجب المعلق : أن الإرادة التشريعيّة كالإرادة التكوينية في كونهما مشتركتين فيما تتوقف عليه الإرادة من العلم ، والتصديق بالغاية ، والميل ، وفيما يترتب على الإرادة من تحريك العضلات ، وحصول الفعل بعده . ومن المعلوم : إن المراد التكويني لا ينفك عن زمان التحريك الذي لا ينفك عن زمان الإرادة ، ولا بدّ أن يكون المراد التشريعي كذلك ، فلا ينفك عن زمان الأمر الذي لا ينفك عن زمان الإرادة التشريعية ، والواجب المعلّق ليس كذلك ، لكون المراد فيه متأخرا زمانا عن الإرادة ، لأنّ المفروض : استقبالية الواجب ، فيكون من قبيل تخلف المعلول عن العلة .
يدفع صاحب هذا الإشكال قائلا : أن الإرادة كما تتعلق بأمر حاليّ ، كذلك تتعلق بأمر استقبالي إذا كان المراد بعيد المسافة ، وذا مقدمات كثيرة محتاجة إلى زمان مديد ، فإنّ إتعاب النفس في تحصيلها ليس إلا لأجل تعلّق إرادته بما لا يحصل إلا بها ، فإنّ السفر المحتاج إلى المقدمات إنّما هو للوصول إلى المراد - وهو تحصيل المال مثلا - مع انفكاكه عن الإرادة .
وبالجملة : فإرادتنا التكوينية تنفك عن مراداتنا المنوطة بتمهيد مقدمات ومضيّ زمان « 1 » .
هامش
( 1 ) راجع : منتهى الدراية في شرح الكفاية ، ج 2 ، ص 192 .