تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المفيد في شرح أصول الفقه — صفحة 158

مساهمون:

ص١٥٨
شرح
عليه المدلول التصوري والمدلول التصديقي للصيغة ؛ وذلك للفرق بين المدلولين لأن الأول هو المعنى الموضوع له اللفظ ، بينما الثاني هو عبارة عن المدلول الجدي ، فإن صيغة الأمر هي هيئة من الهيئات ، فلا بدّ أن يكون معناه معنى حرفيا ، والمعاني الحرفية عبارة عن النسب وهي معاني حرفية ، فيكون مدلولها التصوري نسبة وهذه النسبة هي التي نسميها بالنسبة الطلبية أو الإرسالية ، ويوازي هذه النسبة : مفهوم الطلب والإرسال لا أن الصيغة أساسا موضوعة لمفهوم الطلب والإرسال . إذا : الصيغة موضوعة لنسبة موازية لمفهوم الطلب - كما ذكر السيد الصدر « قدّس سرّه » - بأن « إلى » موضوعة « للانتهاء » بالمعنى الحرفي لا للمعنى الاسمي وإنما يوازيها . والمقصود من النسبة الطلبية : هي العلقة القائمة ما بين المطلوب والمطلوب منه ؛ كما إذا قال المولى : « صلّ » فالمولى أوجد علاقة بين « الصلاة » و « زيد » على أن « الصلاة » لا بدّ أن يؤتى بها في الخارج . فكما أن لصيغة « افعل » مدلول تصوري أيضا لها مدلول تصديقي ؛ لأن كل جملة تامة لا بدّ أن يكون لها مدلول تصديقي وهو عبارة عن الداعي لإنشاء هذا الكلام . فبقوله « عزّ وجل » : « صلّ » - فإنه « عزّ وجل » أوجد علقة بين « زيد » وبين « الصلاة » ما هو الداعي لها ؟ نقول : الداعي هنا هو الطلب ، إلا أنه قد تكون لله « عزّ وجل » دواعي أخرى مثل : التعجيز أو التهديد . . . فمثلا : قوله تعالى :كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً ،فإن المعنى الموضوع له هي النسبة الطلبية القائمة بين المطلوب والمطلوب منه ؛ ولكن الداعي لإيجاد هذه النسبة هو التعجيز ؛ لأنه « عزّ وجل » يعلم إنهم غير قادرين على ذلك . الخلاصة : صيغة الأمر تستعمل في إنشاء الطلب ولم تستعمل في أي معنى من تلك المعاني - من التعجيز والتهديد والتمني وغيره - ولكن الداعي للإنشاء هي تلك المعاني ، إذ الداعي إلى الإنشاء تارة : يكون هو البعث والتحريك نحو المطلوب الواقعي ، وهو الذي ينصرف إليه إطلاق الصيغة نحو قوله تعالى :أَقِيمُوا الصَّلاةَ . . . .- وتارة أخرى : يكون أحد الأمور المتقدمة أعلاه ، فينشأ الطلب بداعي الترجي أو التمني أو غيرها من المعاني المتقدمة ، وعليه : فالصيغة لم تستعمل إلا في معنى واحد وهو إنشاء الطلب ، وتلك المعاني دواع للإنشاء ، وأجنبية عن مدلول الصيغة ، فلا تستعمل الصيغة في التهديد أو التعجيز أو التمني أو الترجي أو غيرها أصلا على نحو الحقيقة ، بمعنى : إن الصيغة لم تستعمل إلا في إنشاء الطلب ، فهي حقيقة فيه سواء كان الداعي إلى هذا الإنشاء هو البعث أم التهديد أم غيرهما ، إذا : صيغة الأمر وضعت لإنشاء الطلب ، فإذا كان بداعي البعث والتحريك يكون هذا الاستعمال على وجه الحقيقة ، وإذا استعملت بداعي التمني والترجي والتهديد وبسائر الدواعي الأخرى يكون على وجه المجاز . وعلى كل حال : صيغة الأمر مستعملة في إنشاء الطلب ، وهذا الاستعمال إذا كان بداعي البعث والتحريك نحو المطلوب الواقعي يكون استعمالا حقيقيا ، ومجازا إذا كان بداعي آخر . وبهذا يسقط اختلاف العلماء في أن صيغة الأمر هل هي حقيقة في الطلب ، أو في الوجوب أو في الندب ؟ لما تقدم من : أن مفاد صيغة الأمر هو البعث والتحريك نحو المبعوث إليه .