فهو من قبيل تجنّب الضرر ، وقد عرفت أنّ الفرار منه بعد إحرازه طبعي ، وهذه الكلمات أجنبية عن المقام . فلنعد إلى ما كنّا فيه .
فنقول بعونه تعالى : إنّ ما ادّعي من الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع ليس أساس الملازمة فيه - أعني الملزوم - هو الحسن والقبح العقليين ، بأيّ واحد أخذناه من هذه الاحتمالات الأربعة ، بل إنّ أساسه وطرف الملازمة فيه إنّما هو الصلاح في الفعل أو الفساد فيه ، فإذا أدرك العقل أنّ في هذا الفعل صلاحاً ، انتقل إلى لازمه وهو إيجاب الشارع على نحو الانتقال من العلّة إلى المعلول ، أعني الانتقال اللمّي ، بناءً على قاعدة اللطف وأنّ الشارع الحكيم يلزمه اللطف بعباده ويوصلهم إلى ما فيه صلاحهم بإيجابه عليهم ، ولازم ذلك الانتقال الإنّي ، أعني الانتقال من الوجوب الشرعي إلى كون الواجب ذا مصلحة ، لكونه حينئذ انتقالًا من المعلول إلى العلّة .
ثمّ إنّ أساس الانتقال الأوّل هو اللطف ، بدعوى كونه لازماً على الحكيم ، لما ذا ؟ لأنّه حسن وتركه قبيح ، فتعود مسألة التحسين والتقبيح ، أو لأنّ اللطف لازم حكمته ، فيكون من قبيل الانتقال من أحد المتلازمين إلى الآخر ، أو لأنّ عدم اللطف مناقض أو مضادّ لحكمته ، فيكون الحكم به من باب امتناع اجتماع النقيضين أو الضدّين . وعلى كلّ حال ، ليس ذلك من باب مجرّد حسن اللطف عقلًا .
ولا يخفى أنّا لو سلّمنا أنّ العقل يدرك الصلاح والفساد في الأفعال ولو في بعضها ، إلّا أنّه هل يدرك ذلك في أفعال الشارع أعني إيجابه أو تحريمه ، أو أنّ هذا الباب - أعني الصلاح والفساد - في نفس تكاليف الشارع موصد دون الفعل .
ولو سلّمنا أنّه يدرك ذلك في بعض الأحكام ، فلا نسلّم أنّه يدركه في جميع
أصول الفقه — صفحة 161
مساهمون: الشيخ حسين الحلي
ص١٦١