المفروض تحقّق شرائط الحجيّة في كليهما ، وكلّ منهما تفصيلا محتمل المطابقة للواقع ، ومشمول لدليل الحجيّة ؛ لتحقّق الموضوع فيه من احتمال صدقه ولا يضرّ بذلك العلم الإجماليّ المزبور ، بل يكون كسائر موارد العلم الإجمالي الّتي علم إجمالا بوجود حكم واقعيّ فيها ، فعلى هذا لو أمكن الجمع بينهما على النحو المتقدّم ، بأن يكون أحدهما أقوى من الآخر ولو كان دلالة الآخر وظهوره تامّا أيضا ؛ فلا محيص عنه .
ومنها ؛ أنّه لو وردت رواية مضمونها - مثلا - الأمر بالمسح على الناصية ، وأخرى أيضا أنّه « امسح على ناصيتك مستحبّا » فعلى ما بيّنا من أنّ الظهورين على حالهما باقيان ، وإنّما الجمع ليس من باب إبطالهما رأسا ، فلا مانع من حمل الأمر الأوّل الّذي ظاهره الوجوب على الاستحباب أيضا ؛ لكون المفروض أنّه ترفع اليد عن حجيّة ظهورها من حيث دلالتها على وجوب الحكم ، لا قلب الظهور رأسا ، كما قد يتوهّم « 1 » .
ولذلك يستشكل من جهة أنّه استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد ، إذ من حيث أصل المسح مدلوله الوجوب ، وكذلك من جهة الموضوع الحكم الوارد فيها وهي الناصية ، فحينئذ لو ترفع اليد للرواية الثانية عن ظهورها من الجهة الثانية بحملها على الاستحباب ، يلزم المحذور المذكور ، لأنّه قد استعمل لفظ « امسح » حينئذ في الوجوب من حيث أصل الفعل ، وفي الاستحباب من حيث إيقاعه على الناصية ، والقرينة على ذلك هي الرواية الثانية .
هامش
( 1 ) انظر ! فرائد الأصول : 4 / 26 .