ما ادعيناه من غير بناء على موضع الخلاف لأنا نقول إن كانت القرينة هي العلم الضروري بتوقيف أهل اللسان على ذلك كما علمناه في حمار وأسد فكان يجب ان لا يقع الخلاف في ذلك مع العلم الضروري كما لم يقع خلاف في أسد وحمار وان كانت القرينة مستخرجة بدليل وتأمل فقد نظرنا فما عثرنا على ذلك ومن ادعى طريقا إلى اثبات هذه القرينة فواجب عليه ان يشير اليه ليكون الكلام فيه وخصمنا لا يمكنه ان يدل على أن استعمال هذه اللفظة في الخصوص لا بد فيه من قرينة الا بان يصح مذهبه في ان ذلك مجاز وعدول عن الحقيقة وهذا هو نفس المذهب ومما يقال لهم كيف وجب في كل شيء تجوز أهل اللغة به من الالفاظ واستعملوه في غير ما وضع له كالتشبيه الذي ذكرناه في حمار وبليد وكالحذف في قوله تعالى وجاء ربك واسأل القرية والزيادة في قوله تعالى ليس كمثله شيء ونظائر ذلك وأمثاله وما تفرع اليه وتشعب ان يعلم أنهم بذلك متجوزون وقارنون إلى اللفظ ما يدل على المراد ضرورة بغير اشكال ولا حاجة إلى نظر واستدلال ولم يجب مثل ذلك في استعمال صيغة العموم في الخصوص وهو ضرب من ضروب المجاز عندكم فالأحق بهذا الباب كله في حصول العلم ويمكن ان يترتب استدلالنا على هذه العبارة فنقول قد ثبت بلا شك استعمال هذه اللفظة في العموم والخصوص وما وقفنا أهل اللغة ولا علمنا ضرورة من حالهم مع المداخلة لهم انهم متجوزون بها في الخصوص كما علمنا ذلك منهم في صنوف المجاز على اختلافهما فوجب أن تكون مشتركة فإذا قيل لنا فلعل كونهم متجوزين بها في الخصوص يعلم بالاستدلال دون الضرورة فلم قصرتم هذا العلم على الضرورة قلنا كيف وقف هذا الباب من المجاز على الاستدلال ولم نقف غيره من ضروب المجاز في كلامهم على الاستدلال لولا بطلان هذه الدعوى وفي خروج هذا الموضع عن بابه دلالة على خلاف مذهبكم الثالث ان استفهام المخاطب بهذه الالفاظ عن مراده في خصوص أو عموم يحسن من المخاطب بغير ريب وموضوع الاستفهام إذا وقع طلبا للعلم والفهم يقتضى احتمال اللفظ واشتراكه بدلالة انه لا يحسن دخوله فيما لا احتمال فيه ولا اشتراك ألا ترى انه لا يحسن ان يستفهم عن مراد من قال ركبت فرسا ولبست ثوبا لاختصاص اللفظ وفقد احتماله ويحسن ان يستفهم ممن قال رايت عينا عن اى عين رأى وهذه الجملة تقتضى اشتراك هذه الالفاظ بين الخصوص والعموم ومن خالف في حسن الاستفهام بحيث ذكرنا لا يخلو من أن يكون قائلا بحسن الاستفهام في موضع من الكلام أو ليس يحسن أصلا فان ذهب إلى الأول قيل له بين حسن الاستفهام اين شئت من الكلام حتى نسوى بينه وبين حسنه في الخصوص والعموم وان أراد الثاني كان مكابرا دافعا للضرورة فكيف يقال ذلك وقد جعل أهل اللغة الاستفهام ضربا منفردا من ضروب الكلام وخصوه بحروف ليست لغيره فان قيل وجه حسن الاستفهام في ألفاظ العموم تجويز المخاطب ان يريد مخاطبه الخصوص على جهة المجاز قلنا هذا يقتضى حسن الاستفهام في كل خطاب وعن كل حقيقة لأن هذه العلة موجودة وقد علمنا اختصاص حسن الاستفهام بموضع دون غيره فعلمنا ان علته خاصة غير عامة وبعد فان المخاطب إذا كان
إشارات الأصول — صفحة 234
مساهمون: الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
ص٢٣٤