من أن الزام المشقة من غير عوض قبيح عقلا جار هاهنا دال على حصول الثواب على المقدمة والمنكرون لوجوب المقدمة ينكرون استحقاق الثواب عليها قال وبهذا الوجه يلزم مجرد الرجحان والزام الوجوب يحتاج إلى انضمام مقدمة أخرى يمكن تحصيلها بأدنى تأمل وفيه ان جريان الزام المشقة هاهنا اما من جهة كون المقدمة مطلوبة شرعا بالامر بذى المقدمة كما حمله عليه بعضهم فعجيب فإنه أحد محتملات المتنازع فيه كما اعترف المستدل به بل هو عين المتنازع فيه ظاهرا فكيف يؤخذ مسلما ومع ذلك ينافيه ما قاله من أن بهذا الوجه يلزم مجرد الرجحان وهو ظاهر أو من جهة ارجاع الأحكام الوضعية إلى الشرعية فيظهر ما فيه مما مر فضلا عن بطلان الارجاع كما مر في محله وخروجه عن المتنازع فيه على تقديره فان الكلام في دلالة الامر بدون المقدمة وترتب الثواب عليها من هذه الجهة لا من جهة أخرى أو من جهة كونها مما لا بد منه فإنه بذلك يصدق عليها انها مما الزم بها فممنوع ولو سلم نمنع لزوم الاجر على المقدمات لاحتمال اختلاف الاجر بفعل ذي المقدمة باعتبار أحوال المقدمة كالقلة والكثرة وغيرهما على أن استحقاق الثواب على المقدمة من دون وجوب فعلها مما لم يثبت بطلانه ولا الاتفاق عليه كيف وهو المحكى عن الغزالي والتزمه بعض من تأخر عنه ممن قال بعدم الوجوب مع أنه لو كان اتفاقيا لا ينفع لعدم حجية مثله ومما مر يبين فساد احتمال آخر في تقرير الدليل وهو ان يقال مراد المستدل ابطال ان يقال إن المقدمة مطلوبة شرعا ولا يترتب عليها ثواب وعقاب كما جعله أحد محتملات النزاع مع أن جعل النزاع فيه مما يأباه ظواهر كلمات الجمهور هذا وبعضهم منع القبح المذكور قائلا ان هذه المقدمة وان ذكرها بعض العدلية لكنها لا وجه لها عند التحقيق فيما هو مقصودهم الأصلي من وضع هذه المقدمة من التكليفات الله تعالى واستحقاق الثواب على أمثالها قال وكأنهم انما غفلوا عن مقدمة أخرى لهم من وجوب كون المأمور به حسنا والمنهى عنه قبيحا إذ بناء على هذه المقدمة لا وجه للمقدمة المذكورة لأنه إذا كلف الله العبد بشيء فلا بد من كونه متصفا بحسن وفائدة بناء على هذه المقدمة ولا يكون ذلك النفع عائدا لله تعالى لتعاليه عنه ولا شك انه إذا امر أحد بأمر فيه نفع للمأمور فلا يلزم عليه عوض وثواب على المشقة الحاصلة للمأمور بل انما يكفيه النفع المترتب على فعله ويمكن دفع تنافيه بتعميم العوض في كلامه لما يشمل الحسن العقلي أيضا إلّا انه تمحل ثم من جميع ما مر يبين عدم النفع في المقدمة التي ذكر انها يمكن تحصيلها بأدنى تأمل مع أنها ليست بينة ولا مبينة ومنها ان من تأمل في القواعد العملية ومارس المصالح الحكمية وجرب التدبيرات الكلية وعرف مجارى احكام العقلاء وحكمهم عرف ان ما يجب رعاية والامر به والزام عليه قد يكون مطلوبا بالذات وقد يكون مطلوبا بالعرض من حيث إنه نافع في حصول الغرض الأصلي والمطلوب الذاتي فمن أراد تدبير عسكر أو بلد كما أنه يأمر بالأمور النافعة لهم المشتملة على خيراتهم وينهى عن الأمور المضارة لهم كذلك يأمر بالأمور المؤدية إلى خيراتهم ومعداتها وشرائطها والطرق الموصلة إليها وينهى عن الأمور المستلزمة لمضارهم المؤدية إليها والمستلزمة لاخلال مصالحهم
إشارات الأصول — صفحة 144
مساهمون: الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
ص١٤٤