غُسل بماء طاهر فهو طاهر ، بخلاف المقام إذ لم يدل دليل شرعي على أنّ كلّ ما حكم عليه بالحرمة فهو غير محكوم بالحلية ، وإن كانت الملازمة ثابتة عقلًا .
ويمكن أن يقال : انّ التعبد بوجود أحد الضدين وإن كان لا يلازم التعبد بعدم الضد الآخر ، لكن يستثنى منه ما إذا كان التعبّد بوجود الضد ، عين التعبد بعدم الآخر عرفاً كما في المقام ، فانّ التعبّد ببقاء الحرمة المعلّقة عين التعبّد بإلغاء احتمال الحلية إذ لا معنى لكون الشيء حراماً ، مع احتمال كونه حلالًا . ففي مثله يكون الأصل المثبت حجّة .
الثاني : ما أجاب به المحقّق الخراساني وحاصله : أنّه لا تعارض بين الاستصحابين .
توضيحه انّ الزبيب عندما كان عنباً كان محكوماً بحكمين غير متعارضين .
1 . الحلية قبل الغليان ، 2 . الحرمة بعده ، فكما أنّ الغليان شرط للحرمة ، هكذا هو غاية للحلية ، فإذا صار زبيباً يكون محكوماً أيضاً بنفس الحكمين فالزبيب حلال إلى أن يغلى ، وحرام إذا غلى ، فإذا حصلت الغاية لا يبقى مجال لاستصحاب الحلية وتكون الساحة خاصة لاستصحاب الحرمة .
وإن شئت قلت : إنّ الحلية مغيّاة بعدم الغليان ، والحرمة مشروطة به أيضاً ، فما كان كذلك لا يضر ثبوت الأمرين بالقطع فضلًا عن الاستصحاب لعدم التضاد بينهما فيكونان بعد صيرورته زبيباً ، كما كانا معاً بالقطع بلا منافاة غير انّ المتكفل لإثبات الحلية المغياة ، والحرمة المعلقة ما دام كونه عنباً هو الدليل الاجتهادي ، والمتكفل لإثباتهما كذلك عندما صار زبيباً هو الاستصحاب .
وبالجملة : حكم الزبيب حلية وحرمة نفس حكم العنب ، فكما لا تعارض بينهما ما دام عنباً فهكذا لا تعارض بينهما إذا صار زبيباً .
إرشاد العقول إلى مباحث الأصول — صفحة 169
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص١٦٩