تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إرشاد العقول إلى مباحث الأصول — صفحة 72

مساهمون:

ص٧٢
هذا وانّ محلّ النزاع في غير الأحكام التعبدية فانّ امتثالها رهن الإتيان بها للّه سبحانه أو لامتثال أمره وغير ذلك ، ومثل ذلك لا ينفك عن الالتزام والتسليم بأنّه حكمه سبحانه وينحصر النزاع بالأحكام التوصلية . هذا هو محلّ تحرير النزاع وذاك أيضاً مختار المحقّق الخراساني . نعم أنكر سيّدنا الأُستاذ ) قدس سره ( أن يكون للنزاع مفهوم صحيح قائلًا بأنّ التسليم القلبي والانقياد الجناني والاعتقاد الجزمي لأمر من الأمور لا يحصل بالإرادة والاختيار من دون حصول مقدّماتها ومباديها ، ولو فرضنا حصول عللها وأسبابها يمتنع تخلف الالتزام والانقياد القلبي عند حصول مبادئها ويمتنع الاعتقاد بأضدادها ، فتخلّفها عن المبادئ ممتنع كما أنّ حصولها بدونها ممتنع ، وعلى ذلك فإذا قام الدليل القطعي على وجوب شيء فيمتنع عدم عقد القلب على وجوبه أو عقد القلب على ضدّه . وأمّا الجحد الوارد في قوله سبحانه : (
فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ * وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ
) . « 1 » فلا يراد منه الجحد القلبي ، لامتناعه بعد حصول مبادئه من البراهين القطعية على أنّ موسى مرسل من ربه ، بل المراد هو الجحد اللفظي والإنكار اللساني . ولمّا ذهب ) قدس سره ( إلى أنّ الالتزام القلبي وليد العلم بالواقع ، فهو يحصل في قرارة الإنسان شاء أم لم يشأ ، ولا يمكن له عقد القلب على خلافه ، أنكر إمكان التشريع فضلًا عن حرمته ، إذ كيف يمكن البناء والالتزام القلبي على كون حكم من اللّه مع علمه بأنّه ليس منه أو يشك من كونه منه .
هامش
( 1 ) . النمل : 13 14 .
إرشاد العقول إلى مباحث الأصول — صفحة 72 | الشيخ جعفر السبحاني