وبذلك يعلم انّ مجرد الخضوع لا يعدّ عبادة ما لم ينبع من الاعتقاد الخاص ، وهو كون المخضوع له إله العالم أو ربّه .
والشاهد على ذلك أنّ عبادة المسلمين للّه سبحانه ، وعبادة المشركين للأصنام والأوثان واجدة لهذا الشرط ، فالمسلمون يعبدون اللّه تعالى بما أنّه إله العالم وربّ العالمين وربّ الإنسان ، كما أنّ المشركين يعبدون الأوثان والأصنام بما انّها آلهة وأرباب ، ولذلك يقول سبحانه ردّاً عليهم : (
لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا
) « 1 » وقال سبحانه : (
أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ
) « 2 » وقول يوسف لصاحبيه في السجن : (
أَ أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ
) . « 3 » ومن هنا يعلم أنّ كلّ خضوع وخشوع أمام الأنبياء والأولياء لا تعدّ عبادة ما لم يعتبرهم الخاضع أرباباً وآلهة ، بل اتّخذهم عباداً مكرمين .
والكلام الحاسم مع من يرى كلّ تعظيم وتقديس للأنبياء والأولياء عبادة أو دعوتهم شركاً هو أن يحدد ذلك القائل العبادة بحد منطقي فما لم تحدد به لا يمكن القضاء الحاسم ، وقد علمت الحد المنطقي لها .
الخامس : التقسيم ثنائي لا ثلاثي
المعروف أنّ الواجب إمّا توصلي أو تعبّدي ، وذهب السيّد الأُستاذ إلى أنّ التقسيم ثلاثي ، وذلك أنّ ما يعتبر في ثبوته قصد القربة ينقسم إلى قسمين تعبّدي وتقرّبي ، فانّ ما يؤتى به متقرّباً إلى اللّه ، إمّا ينطبق عليه عنوان العبودية للّه ، بحيث يعد العمل عبودية للّه سبحانه كالصلاة والاعتكاف والحجّ ، أو لا ينطبق عليه ذاك
هامش
( 1 ) - الأنبياء : 22 .
( 2 ) - ص : 5 .
( 3 ) - يوسف : 39 .