يسيرا ، من أين كان نظم أشرف من نظم ؟ وبم عظم التفاوت ، واشتد التباين ، وترقّى الأمر إلى الإعجاز ، وإلى أن يقهر أعناق الجبابرة ؟ أو هاهنا أمور أخر نحيل في المزيّة عليها ، ونجعل الإعجاز كان بها ، فتكون تلك الحوالة لنا عذرا في ترك النظر في هذه التي معنا ، والإعراض عنها ، وقلة المبالاة بها ؟ أوليس هذا التهاون ، إن نظر العاقل ، خيانة منه لعقله ودينه ، ودخولا فيما يزرى بذي الخطر ، ويغضّ من قدر ذوي القدر ؟
وهل يكون أضعف رأيا ، وأبعد من حسن التدبّر ، منك إذ همّك أن تعرف الوجوه في :
" أأنذرتهم " ، والإمالة في " رأى القمر " وتعرف " الصّراط " و " الزّراط " ، وأشباه ذلك مما لا يعدو علمك فيه اللفظ وجرس الصوت ، ولا يمنعك إن لم تعلمه بلاغة ، ولا يدفعك عن بيان ، ولا يدخل عليك شكّا ، ولا يغلق دونك باب معرفة ، ولا يفضي بك إلى تحريف وتبديل ، وإلى الخطأ في تأويل ، وإلى ما يعظم فيه المعاب عليك ، ويطيل لسان القادح فيك ، ولا يعنيك " 1 " ولا يهمّك أن تعرف ما إذا جهلته عرّضت نفسك لكل ذلك ، وحصلت فيما هنالك ، وكان أكثر كلامك في التفسير ، وحيث تخوض في التأويل ، كلام من لا يبني الشيء على أصله ، ولا يأخذه من مأخذه ، ومن ربّما وقع في الفاحش من الخطأ الذي يبقى عاره ، وتشنع آثاره . ونسأل اللّه العصمة من الزّلل ، والتوفيق لما هو أقرب إلى رضاه من القول والعمل .
واعلم أنّ من الخطأ أن يقسّم الأمر في تقديم الشيء وتأخيره قسمين : فيجعل مفيدا في بعض الكلام ، وغير مفيد في بعض ، وأن يعلّل تارة بالعناية ، وأخرى بأنه توسعة على الشاعر والكاتب ، حتى تطّرد لهذا قوافيه ولذاك سجعه . ذاك لأنّ من البعيد أن يكون في جملة النظم ما يدل تارة ولا يدل أخرى . فمتى ثبت في تقديم المفعول مثلا على الفعل في كثير من الكلام ، أنه قد اختصّ بفائدة لا تكون تلك الفائدة مع التأخير ، فقد وجب أن تكون تلك قضية في كل شيء وكلّ حال . ومن سبيل من يجعل التقديم وترك التقديم سواء ، أن يدّعي أنه كذلك في عموم الأحوال ، فأمّا أن يجعله شريجين ، فيزعم أنه للفائدة في بعضها ، وللتصرف في اللفظ من غير معنى في بعض ، فمما ينبغي أن يرغب عن القول به .
وهذه مسائل لا يستطيع أحد أن يمتنع من التّفرقة بين تقديم ما قدّم فيها وترك تقديمه .
ومن أبين شيء في ذلك " الاستفهام بالهمزة " ، فإن موضع الكلام على أنك إذا
هامش
( 1 ) قوله ( ولا يعنيك ) معطوف على قوله : ( إذا همك ) .