تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دلائل الإعجاز في علم المعاني — صفحة 80

مساهمون:

ص٨٠
قلت : " أفعلت ؟ " ، فبدأت بالفعل ، كان الشكّ في الفعل نفسه ، وكان غرضك من استفهامك أن تعلم وجوده . وإذا قلت : " أأنت فعلت ؟ " ، فبدأت بالاسم ، كان الشكّ في الفاعل من هو ، وكان التردّد فيه . ومثال ذلك أنك تقول : " أبنيت الدار التي كنت على أن تبنيها ؟ " ، " أقلت الشعر الذي كان في نفسك أن تقوله ؟ " ، و " أفرغت من الكتاب الذي كنت تكتبه ؟ " ، تبدأ في هذه ونحوه بالفعل ، لأن السؤال عن الفعل نفسه والشكّ فيه ، لأنك في جميع ذلك متردّد في وجود الفعل وانتفائه ، مجوّز أن يكون قد كان ، وأن يكون لم يكن . وتقول : " أأنت بنيت هذه الدار ؟ " ، " أأنت قلت هذا الشعر ؟ " ، " أأنت كتبت هذا الكتاب ؟ " ، فتبدأ في ذلك كله بالاسم ، ذاك لأنّك لم تشكّ في الفعل أنه كان . كيف ؟ وقد أشرت إلى الدار مبنية ، والشعر مقولا ، والكتاب مكتوبا ، وإنما شككت في الفاعل من هو ؟ . فهذا من الفرق لا يدفعه دافع ، ولا يشكّ فيه شاك ، ولا يخفى فساد أحدهما في موضع الآخر . فلو قلت : " أأنت بنيت الدار التي كنت على أن تبنيها ؟ " ، " أأنت قلت الشعر الذي كان في نفسك أن تقوله ؟ " ، " أأنت فرغت من الكتاب الذي كنت تكتبه ؟ " ، خرجت من كلام الناس . وكذلك لو قلت : " أبنيت هذه الدار ؟ " ، " أقلت هذا الشعر ؟ " ، " أكتبت هذا الكتاب ؟ " ، قلت ما ليس بقول . ذاك لفساد أن تقول في الشيء المشاهد الذي هو نصب عينيك أموجود أم لا ؟ وممّا يعلم به ضرورة أنه لا تكون البداية بالفعل كالبداية بالاسم أنّك تقول : " أقلت شعرا قطّ ؟ " ، " أرأيت اليوم إنسانا ؟ " ، فيكون كلاما مستقيما . ولو قلت : " أأنت قلت شعرا قط ؟ " ، " أأنت رأيت إنسانا " ، أحلت ، وذاك أنه لا معنى للسؤال عن الفاعل من هو في مثل هذا ، لأن ذلك إنما يتصوّر إذا كانت الإشارة إلى فعل مخصوص نحو أن تقول : " من قال هذا الشعر ؟ " ، و " من بنى هذه الدار ؟ " و " من أتاك اليوم ؟ " ، و " من أذن لك في الذي فعلت ؟ " ، وما أشبه ذلك ممّا يمكن أن ينصّ فيه على معيّن . فأمّا قيل شعر على الجملة ، ورؤية إنسان على الإطلاق ، فمحال ذلك فيه ، لأنه ليس مما يختص بهذا دون ذاك حتى يسأل عن عين فاعله . ولو كان تقديم الاسم لا يوجب ما ذكرنا ، من أن يكون السؤال عن الفاعل من
دلائل الإعجاز في علم المعاني — صفحة 80 | عبد الحميد هنداوي / عبد القاهر الجرجاني