تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دلائل الإعجاز في علم المعاني — صفحة 82

مساهمون:

ص٨٢
وقد يكون أن يراد إنكار الفعل من أصله ، ثم يخرج اللفظ مخرجه إذا كان الإنكار في الفاعل . مثال ذلك قوله تعالى :
قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ
[ يونس : 59 ] ، " الإذن " راجع إلى قوله :
قُلْ أَ رَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالًا
[ يونس : 59 ] ، ومعلوم أن المعنى على إنكار أن يكون قد كان من اللّه تعالى إذن فيما قالوه ، من غير أن يكون هذا الإذن قد كان من غير اللّه ، فأضافوه إلى اللّه ، إلّا أنّ اللفظ أخرج مخرجه إذا كان الأمر كذلك ، لأن يجعلوا في صورة في غلط فأضاف إلى اللّه تعالى إذنا كان من غير اللّه ، فإذا حقّق عليه ارتدع . ومثال ذلك قولك للرجل يدّعي أن قولا كان ممّن تعلم أنه لا يقوله : " أهو قال ذاك بالحقيقة أم أنت تغلط ؟ " ، تضع الكلام وضعه إذا كنت علمت أن ذلك القول قد كان من قائل ، لينصرف الإنكار إلى الفاعل ، فيكون أشدّ لنفي ذلك وإبطاله . ونظير هذا قوله تعالى :
قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ ، أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ
[ الأنعام : 143 ] ، أخرج اللفظ مخرجه إذا كان قد ثبت تحريم في أحد أشياء ، ثم أريد معرفة عين المحرّم ، مع أن المراد إنكار التحريم من أصله ، ونفي أن يكون قد حرّم شيء مما ذكروا أنه محرّم . وذلك أنّ الكلام وضع على أن يجعل التحريم كأنّه قد كان ، ثم يقال لهم : " أخبرونا عن هذا التحريم الذي زعمتم ، فيم هو ؟ أفي هذا أم ذاك أم في الثالث ؟ " ، ليتبيّن بطلان قولهم ، ويظهر مكان الفرية منهم على اللّه تعالى . ومثل ذلك قولك للرجل يدّعي أمرا وأنت تنكره : " متى كان هذا ؟ أفي ليل أم نهار ؟ " ، تضع الكلام وضع من سلّم أن ذلك قد كان ، ثم تطالبه ببيان وقته ، لكي يتبيّن كذبه إذا لم يقدر أن يذكر له وقتا ويفتضح . ومثله قولك : " من أمرك بهذا منّا ؟ وأيّنا أذن لك فيه ؟ " ، وأنت لا تعني أن أمرا قد كان بذلك من واحد منكم ، إلا أنّك تضع الكلام هذا الوضع لكي تضيّق عليه ، وليظهر كذبه حين لا يستطيع أن يقول : " فلان " ، وأن يحيل على واحد . وإذ قد بيّنّا الفرق بين تقديم الفعل وتقديم الاسم ، والفعل ماض ، فينبغي أن ننظر فيه والفعل مضارع . والقول في ذلك أنك إذا قلت : " أتفعل ؟ " و " أأنت تفعل ؟ " لم يخل من أن تريد الحال أو الاستقبال . فإن أردت الحال كان المعنى شبيها بما مضى في الماضي ، فإذا قلت : " أتفعل ؟ " كان المعنى على أنك أردت أن تقرّره بفعل هو يفعله ، وكنت