تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دلائل الإعجاز في علم المعاني — صفحة 28

مساهمون:

ص٢٨
وليضعه حيث أراد ، فليس يعنينا أمره ، ولا هو مرادنا من هذا الذي راجعنا القول فيه . وهذا هو الجواب لمتعلق إن تعلّق بقوله تعالى :
وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ
[ يس : 69 ] ، وأراد أن يجعله حجّة في المنع من الشعر ، ومن حفظه وروايته . وذاك أنّا نعلم أنه صلى اللّه عليه وسلم لم يمنع الشعر من أجل أن كان قولا فصلا ، وكلاما جزلا ، ومنطقا حسنا ، وبيانا بيّنا ، كيف ؟ وذلك يقتضي أن يكون اللّه تعالى قد منعه البيان والبلاغة ، وحماه الفصاحة والبراعة ، وجعله لا يبلغ مبلغ الشعراء في حسن العبارة وشرف اللفظ . وهذا جهل عظيم ، وخلاف لما عرفه البلغاء وأجمعوا عليه من أنّه صلى اللّه عليه وسلم كان أفصح العرب ، وإذا بطل أن يكون المنع من أجل هذه المعاني ، وكنا قد أعلمناه أنّا ندعوه إلى الشعر من أجلها ، ونجدوه بطلبه على طلبها ، كان الاعتراض بالآية محالا والتعلّق بها خطلا من الرأي وانحلالا . فإن قال : إذا قال اللّه تعالى :
وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ
[ يس : 69 ] ، فقد كره للنبي صلى اللّه عليه وسلم الشعر ونزّهه عنه بلا شبهة ، وهذه الكراهة وإن كانت لا تتوجّه إليه من حيث هو كلام ، ومن حيث أنه بليغ بيّن وفصيح حسن ونحو ذلك ، فإنها تتوجّه إلى أمر لا بدّ لك من التلبّس به في طلب ما ذكرت أنه مرادك من الشعر ، وذلك أنه لا سبيل لك إلى أن تميّز كونه كلاما عن كونه شعرا ، حتى إذا رويته التبست به من حيث هو كلام ، ولم تلتبس به من حيث هو شعر ، هذا محال ، وإذا كان لا بدّ من ملابسة موضع الكراهة ، فقد لزم العيب برواية الشّعر وإعمال اللّسان فيه . قيل له : هذا منك كلام لا يتحصّل . وذلك أنه لو كان الكلام إذا وزن حطّ ذلك من قدره ، وأزرى به ، وجلب على المفرغ له في ذلك القالب إثما ، وكسبه ذمّا ، لكان من حقّ العيب فيه أن يكون على واضع الشّعر ، أو من يريده لمكان الوزن خصوصا ، دون من يريده لأمر خارج منه ، ويطلبه لشيء سواه . فأمّا قولك : إنك لا تستطيع أن تطلب من الشعر ما لا يكره حتى تلتبس بما يكره ، فإني إذا لم أقصده من أجل ذلك المكروه ، ولم أرده له ، وأردته لأعرف به مكان بلاغة ، وأجعله مثالا في براعة ، أو أحتجّ به في تفسير كتاب وسنّة ، وأنظر إلى نظمه ونظم القرآن ، فأرى موضع الإعجاز ، وأقف على الجهة التي منها كان ، وأتبيّن الفصل والفرقان ، فحقّ " 1 " هذا التلبّس أن لا يعتدّ عليّ ذنبا ، وأن لا أؤاخذ به ، إذ لا تكون مؤاخذة حتى يكون عمد إلى أن تواقع المكروه وقصد " 2 " إليه ، وقد تتبع العلماء الشّعوذة والسحر ، وعنوا بالتوقّف على حيل المموّهين ، ليعرفوا فرق ما بين
هامش
( 1 ) سياق العبارة كما يلي : فإني إذا لم أقض . . . والجواب فحق هذا التلبس . ( 2 ) اسم معطوف على عمد .