تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 95

مساهمون:

ص٩٥
الجنس ، وبالمدّعي له حاجة إلى أن يصحّح دعواه في جواز وجوده على الجملة إلى أن يجيء إلى وجوده في الممدوح . فإذا قال : " فإن المسك بعض دم الغزال " ، فقد احتجّ لدعواه ، وأبان أن لما ادّعاه أصلا في الوجود ، وبرّأ نفسه من ضعة الكذب ، وباعدها من سفه المقدم على غير بصيرة ، والمتوسّع في الدعوى من غير بيّنة . وذلك أن المسك قد خرج عن صفة الدم وحقيقته ، حتى لا يعدّ في جنسه ، إذ لا يوجد في الدم شيء من أوصافه الشريفة الخاصة بوجه من الوجوه ، لا ما قلّ ولا ما كثر ، ولا في المسك شيء من الأوصاف التي كان لها الدم دما البتة . والضرب الثاني : أن لا يكون المعنى الممثّل غريبا نادرا يحتاج في دعوى كونه على الجملة إلى بيّنة وحجّة وإثبات . نظير ذلك أن تنفي عن فعل من الأفعال التي يفعلها الإنسان الفائدة ، وتدّعي أنه لا يحصل منه على طائل ، ثم تمثّله في ذلك بالقابض على الماء والرّاقم فيه ، فالذي مثّلت ليس بمنكر مستبعد ، إذ لا ينكر خطأ الإنسان في فعله أو ظنّه وأمله وطلبه . ألا ترى أن المغزى من قوله " 1 " : [ من الطويل ]
فأصبحت من ليلى الغداة كقابض * على الماء خانته فروج الأصابع " 2 "
أنّه قد خاب في ظنّه أن يتمتّع بها ويسعد بوصلها ، وليس بمنكر ولا عجيب ولا ممتنع في الوجود ، خارج من المعروف المعهود ، أن يخيب ظنّ الإنسان في أشباه هذا من الأمور ، حتى يستشهد على إمكانه ، وتقام البيّنة على صدق المدّعي لوجدانه . وإذا ثبت أن المعاني الممثّلة تكون على هذين الضربين ، فإن فائدة " التمثيل " وسبب الأنس في الضرب الأول بيّن لائح ، لأنه يفيد فيه الصّحة وينفي الرّيب والشكّ ، ويؤمن صاحبه من تكذيب المخالف ، وتهجّم المنكر ، وتهكّم المعترض ، وموازنته بحالة كشف الحجاب عن الموصوف المخبر عنه حتى يرى ويبصر ، ويعلم كونه على ما أثبتته الصّفة عليه موازنة ظاهرة صحيحة . وأمّا الضرب الثاني : فإن " التمثيل " وإن كان لا يفيد فيه هذا الضرب من الفائدة ، فهو يفيد أمرا آخر يجري مجراه . وذلك أن الوصف كما يحتاج إلى إقامة الحجة على صحة وجوده في نفسه ، وزيادة التثبيت والتقرير في ذاته وأصله ، فقد يحتاج إلى بيان المقدار فيه ، ووضع قياس من غيره يكشف عن حدّه ومبلغه في القوة والضعف والزيادة والنقصان . وإذا أردت أن تعرف ذلك ، فانظر أوّلا إلى التشبيه
هامش
( 1 ) وفي نسخة : المغزى في قوله . ( 2 ) البيت في الإيضاح ص 221 .