وضرب آخر من الأنس ، وهو ما يوجبه تقدّم الإلف ، كما قيل " 1 " : [ من الكامل ] ما الحبّ إلّا للحبيب الأوّل ومعلوم أن العلم الأوّل أتى النفس أوّلا من طريق الحواسّ والطباع ، ثم من جهة النظر والرّويّة ، فهو إذن أمسّ بها رحما ، وأقوى لديها ذمما ، وأقدم لها صحبة ، وآكد عندها حرمة وإذ نقلتها في الشيء بمثله عن المدرك بالعقل المحض وبالفكرة في القلب ، إلى ما يدرك بالحواسّ أو يعلم بالطّبع ، وعلى حدّ الضرورة ، فأنت إذن مع الشاعر وغير الشاعر إذا وقع المعنى في نفسك غير ممثّل ثم مثّله كمن يخبر عن شيء من وراء حجاب ، ثم يكشف عنه الحجاب ويقول : " ها هو ذا ، فأبصر تجده على ما وصفت " .
فإن قلت : إن الأنس بالمشاهدة بعد الصفة والخبر ، إنما يكون لزوال الرّيب والشكّ في الأكثر ، أفتقول : إن التمثيل إنما أنس به ، لأنه يصحّح المعنى المذكور والصفة السابقة ، ويثبت أن كونها جائز ووجودها صحيح غير مستحيل ، حتى لا يكون تمثيل إلا كذلك ؟ .
فالجواب : إن المعاني التي يجيء " التمثيل " في عقبها على ضربين :
غريب بديع يمكن أن يخالف فيه ، ويدّعى امتناعه واستحالة وجوده ، وذلك نحو قوله : [ من الوافر ]
فإن تفق الأنام وأنت منهم * فإنّ المسك بعض دم الغزال " 2 "
وذلك أنه أراد أنه فاق الأنام وفاتهم إلى حدّ بطل معه أن يكون بينه وبينهم مشابهة ومقاربة ، بل صار كأنه أصل بنفسه وجنس برأسه . وهذا أمر غريب ، وهو أن يتناهى بعض أجزاء الجنس في الفضائل الخاصّة به إلى أن يصير كأنه ليس من ذلك
هامش
( 1 ) البيت لأبي تمام في ديوانه ، وصدره :
نقّل فؤادك حيث شئت من الهوى وهو في الإيضاح 205 ، ودلائل الإعجاز : 495 ، كما نسبه ابن جني في كتاب الخصائص للطائي الكبير ص 117 .
( 2 ) البيت للمتنبي في ديوانه ، وفي التبيان ص 31 ، والمعنى : يقول إن فضلت الناس وأنت من جملتهم فقد يفضل بعض الشيء الكل جملة كالمسك ، وهو بعض دم الغزال ، يفضله فضلا كثيرا والمعنى : إن فاق الأنام وهو منهم وفضلهم مع مشاركته في الجنس لهم فالمسك من دم الغزلان في أصله وسائر دم الحيوان يقصر عنه . ورب واحد قد بذّ أمة وبعض قد فات جملة .