تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 98

مساهمون:

ص٩٨
على أن عبارتك الأولى أشدّ وأقوى في المبالغة من هذا ، فظلّ الرّمح على كل حال متناه تدرك العين نهايته ، وأنت قد أخبرت عن اليوم بأنه كأنه لا آخر له ، وكذلك تقول : " يوم كأقصر ما يتصوّر " و " كأنّه ساعة " و " كلمح البصر " و " كلا ولا " ، فتجد هذا ، مع كونه تمثيلا ، لا يؤنسك إيناس قولهم : " أيام كأباهيم القطا " ، وقول ابن المعتزّ : [ من الكامل ]
بدّلت من ليل كظلّ حصاة * ليلا كظلّ الرمح غير موات " 1 "
وقول آخر : [ من الوافر ]
ظللنا عند باب أبي نعيم * بيوم مثل سالفة الذّباب " 2 "
وكذا تقول : " فلان إذا همّ بالشيء لم يزل ذاك عن ذكره وقلبه ، وقصر خواطره على إمضاء عزمه ، ولم يشغله شيء عنه " ، فتحتاط للمعنى بأبلغ ما يمكن ، ثم لا ترى في نفسك له هزّة ، ولا تصادف لما تسمع أريحيّة ، وإنما تسمع حديثا ساذجا وخبرا غفلا ، حتى إذا قلت : [ من الطويل ] إذا همّ ألقى بين عينيه عزمه " 3 " امتلأت نفسك سرورا وأدركتك طربة كما يقول القاضي أبو الحسن لا تملك دفعها عنك . ولا تقل إن ذلك لمكان الإيجاز ، فإنه وإن كان يوجب شيئا منه ، فليس الأصل له ، بل لأن أراك العزم واقعا بين العينين ، وفتح إلى مكان المعقول من قلبك بابا من العين . وهاهنا ، إذا تأمّلنا ، مذهب آخر في بيان السبب الموجب لذلك ، هو ألطف مأخذا ، وأمكن في التحقيق ، وأولى بأن يحيط بأطراف الباب . وهو أنّ لتصوير الشبه
هامش
( 1 ) البيت هو في ديوانه . ( 2 ) البيت هو في الأزمنة والأمكنة غير منسوب . والسّالفة : أعلى العنق ، وقيل : ناحية مقدّم العنق من لدن معلّق القرط إلى قلت الترقوة ، والسالف : أعلى العنق ، وقيل هي ناحيته من معلق القرط إلى الحاقنة ، وحكى اللحياني : إنها لوضاحة السوالف ، جعلوا كل جزء منها سالفة . [ لسان العرب : سلف ] . ( 3 ) البيت لسعد بن ناسب المازني ، وتمامه : ونكّب عن ذكر العواقب جانبا في شرح الحماسة 1 / 35 ، وانظر دلائل الإعجاز 220 ، تحقيق محمود شاكر - طبعة المدني .