تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 61

مساهمون:

ص٦١
جيّد النظر ، مستعدّ لتمييز الحق من الباطل فيما يرد عليه ، بعيد من الغفلة التي كالموت ويذهبون به في وجه آخر ، وهو أنه حرك " 1 " نافذ في الأمور غير بطيء النهوض وذلك أن هذه الأوصاف من أمارات الصحة واعتدال المزاج وتوقّد نار الحياة ، وهذا يصلح في الإنسان والبهيمة ، لأنه تعريض بالقدرة والقوة . والمذهب الأول إشارة في العلم والعقل ، وكلتا الصفتين أعني القدرة والعلم مما يشرف به الحيّ ، ومما يضادّه الموت وينافيه . ولما كان الأمر كذلك صار إطلاق " الحياة " مرة عبارة عن العلم ، وأخرى عن القدرة وإطلاق الموت إشارة إلى عدم القدرة وضعفها تارة ، وإلى عدم العلم وضعفه أخرى . والقول الجامع في هذا : أنّ تنزيل الوجود منزلة العدم إذا أريد المبالغة في حطّ الشيء والوضع منه وخروجه عن أن يعتدّ به ، كقولهم : " هو والعدم سواء " معروف متمكن في العادات ، وربما دعاهم الإيغال وحبّ السّرف إلى أن يطلبوا بعد العدم منزلة هي أدون منه ، حتى يقعوا في ضرب من التهوّس ، كقول أبي تمام : [ من البسيط ] وأنت أنزر من لا شيء في العدد " 2 " وقال ابن نباتة : [ من البسيط ]
ما زلت أعطف أيّامي فتمنحني * نيلا أدقّ من المعدوم في العدم " 3 "
ويتفرع على هذا إثبات الفضيلة للمذكور بإثبات اسم الشيء له ، ويكون ذلك على وجهين : أحدهما : أن تريد المدح وإثبات المزيّة والفضل على غاية المبالغة ، حتى لا تحصل عليه مزيدا . فإذا أردت ذلك جعلت الإثبات كأنه مقصور عليه لا يشارك فيه ، وذلك قولك : " هذا هو الشيء وما عداه فليس بشيء " ، أي : إن ما عداه إذا قيس إليه
هامش
( 1 ) غلام حرك : بوزن فرح خفيف ذكي . ( 2 ) البيت في ديوانه ، وصدره : أفيّ تنظيم قول الزور والفند والفند : الخرف وإنكار العقل من الهرم أو المرض ، والفند : الخطأ في الرأي والقول ، وأفنده خطّأ رأيه ، وفي التنزيل العزيز حكاية عن يعقوب عليه السلام :لَوْ لا أَنْ تُفَنِّدُونِ. قال الفراء : يقول لولا أن تكذبوني وتعجزوني وتضعّفوني . ( 3 ) البيت من أبيات قالها في صباه ، ذكرها الثعالبي في يتيمة الدهر 2 / 356 . وابن نباتة : هو أبو نصر عبد العزيز بن عمر بن محمد بن أحمد الملقب بالسعدي .
أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 61 | عبد الحميد هنداوي / عبد القاهر الجرجاني