في إحدى الكفتين الأخرى ، فكما لا يتصور في تلك الصفة زيادة ونقصان ، حتى يكون كثيرها مذموما وقليلها محمودا ، كذلك الحكم في الصّفة زيادة ونقصان ، حتى يكون كثيرها مذموما وقليلها محمودا ، كذلك الحكم في الصّفة التي تحصل للكلام بإجرائه على حكم النحو ووزنه بميزان ، فقول أبي بكر الخوارزمي : [ من السريع ] والبغض عندي كثرة الإعراب كلام لا يحصل منه على طائل ، لأنّ الإعراب لا يقع فيه قلة وكثرة ، إن اعتبرنا الكلام الواحد والجملة الواحدة ، وإن اعتبرنا الجمل الكثيرة وجعلنا إعراب هذه الجملة مضموما إلى إعراب تلك ، فهي الكثرة التي لا بدّ منها ، ولا صلاح مع تركها ، والخليق بالبغض من ذمّها " 1 " وإن كان أراد نحو قول الفرزدق :
وما مثله في النّاس إلّا مملّكا * أبو أمّه حيّ أبوه يقاربه " 2 "
وما كان من الكلام معقّدا موضوعا على التأويلات المتكلّفة ، فليس ذلك بكثرة وزيادة في الإعراب ، بل هو بأن يكون نقصا له ونقضا أولى ، لأن " الإعراب " هو أن يعرب المتكلم عما في نفسه ويبيّنه ويوضّح الغرض ويكشف اللّبس ، والواضع كلامه على المجازفة في التقديم والتأخير زائل عن الإعراب ، زائغ عن الصواب ، متعرّض للتلبيس والتعمية . فكيف يكون ذلك كثرة في الإعراب ؟ إنما هو كثرة عناء على من رام أن يردّه إلى الإعراب ، لا كثرة الإعراب .
وهذا هو كالاعتراض على طريق شجون الحديث ، ويحتاج إليه في أصل كبير ، وهو أن من حق العاقل أن لا يتعدّى بالتشبيه الجهة المقصودة ، ولا سيما في العقليات . وأرجع إلى النّسق .
مثال ( الأصل الثالث ) ، وهو أخذ الشبه من المعقول للمعقول .
أوّل ذلك وأعمّه تشبيه الوجود من الشيء مرة بالعدم ، والعدم مرة بالوجود .
أمّا الأول : فعلى معنى أنه لما قلّ في المعاني التي بها يظهر للشيء قدر ، ويصير له ذكر ، صار وجوده كلا وجود " 3 " .
هامش
( 1 ) مبتدأ وخبر . ( رشيد ) .
( 2 ) سبق تخريجه : ص 25 .
( 3 ) ( رشيد ) نظم هذا المعنى بعضهم فقال :خلقوا وما خلقوا لمكرمة * فكأنهم خلقوا وما خلقوا
رزقوا وما رزقوا سماح يد * فكأنهم رزقوا وما رزقوا