تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 58

مساهمون:

ص٥٨
من أكل الطعام الذي لم يصلح بالملح ، ولم تنتف عنه المضار التي من شأن الملح أن يزيلها ، وعلى ذلك جاء في صفتهم أنّ : " حبّهم إيمان وبغضهم نفاق " . هذا ، ولا معنى لصلاح الرجل بالرجل إلّا صلاح نيّته واعتقاده ، ومحال أن تصلح نيّتك واعتقادك بصاحبك وأنت لا تراه معدن الخير ومعانه ، وموضع الرّشد ومكانه ومن علمته كذلك ، مازجتك محبّته لا محالة ، وسيط ودّه بلحمك ودمك ، وهل تحصل من المحبّة إلّا على الطاعة والموافقة في الإرادة والاعتقاد ، قياسه قياس الممازجة بين الأجسام ، ألا تراك تقول : " فلان قريب من قلبي " ، تريد الوفاق والمحبّة . وعلى هذه الطريقة جرى تمثيل " النحو " في قولهم : " النحو في الكلام ، كالملح في الطعام ، إذ المعنى أن الكلام لا يستقيم ولا تحصل منافعه التي هي الدلالات على المقاصد ، إلّا بمراعاة أحكام النحو فيه ، من الإعراب والترتيب الخاصّ ، كما لا يجدي الطعام ولا تحصل المنفعة المطلوبة منه ، وهي التغذية ، ما لم يصلح بالملح . فأمّا ما يتخيّلونه من أن معنى ذلك : أن القليل من النحو يغني ، وأن الكثير منه يفسد الكلام كما يفسد الملح الطعام إذا كثر فيه ، فتحريف ، وقول بما لا يتحصّل على البحث ، وذلك أنه لا يتصوّر الزيادة والنقصان في جريان أحكام النحو في الكلام . ألا ترى أنه إذا كان من حكمه في قولنا : " كان زيد ذاهبا " ، أن يرفع الاسم وينصب الخبر ، لم يخل هذا الحكم من أن يوجد أو لا يوجد ، فإن وجد فقد حصل النحو في الكلام ، وعدل مزاجه به ، ونفي عنه الفساد ، وأن يكون كالطعام الذي لا يغذو البدن وإن لم يوجد فيه فهو فاسد كائن بمنزلة طعام لم يصلح بالملح ، فسامعه لا ينتفع به بل يستضرّ ، لوقوعه في عمياء وهجوم الوحشة عليه ، كما يوجبه الكلام الفاسد العاري من الفائدة . وليس بين هاتين المنزلتين واسطة يكون استعمال النحو فيها مذموما وهكذا القول في كلّ كلام ، وذلك أن إصلاح الكلام الأول بإجرائه على حكم النحو ، لا يغني عنه في الكلام الثاني والثالث ، حتى يتوّهم أن حصول النحو في جملة واحدة من قصيدة أو رسالة يصلح سائر الجمل ، وحتى يكون إفراد كل جملة بحكمها منه تكريرا له وتكثيرا لأجزائه ، فيكون مثله مثل زيادة أجزاء الملح على قدر الكفاية . وكذلك لا يتصور في قولنا : " كان زيد منطلقا " ، أن يتكرّر هذا الحكم ويتكثّر على هذا الكلام ، فيصير النحو كذلك موصوفا بأن له كثيرا هو مذموم ، وأن المحمود منه القليل . وإنما وزانه في الكلام وزان وقوف لسان الميزان حتى ينبئ عن مساواة ما