تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 49

مساهمون:

ص٤٩
وقول المتنبي : [ من الطويل ]
نثرتهم فوق الأحيدب نثرة * كما نثرت فوق العروس الدّراهم " 1 "
استعارة ، لأن " النثر " في الأصل للأجسام الصغار ، كالدراهم والدنانير والجواهر والحبوب ونحوها ، لأن لها هيئة مخصوصة في التفرق لا تأتي في الأجسام الكبار ، ولأن القصد " بالنثر " أن تجمع أشياء في كفّ أو وعاء ، ثم يقع فعل تتفرّق معه دفعة واحدة ، والأجسام الكبار لا يكون فيها ذلك ، لكنه لمّا اتّفق في الحرب تساقط المنهزمين على غير ترتيب ونظام ، كما يكون في الشيء المنثور ، عبّر عنه بالنثر ، ونسب ذلك الفعل إلى الممدوح ، إذ كان هو سبب ذلك الانتثار ، فالتفرّق الذي هو حقيقة " النثر " من حيث جنس المعنى وعمومه ، موجود في المستعار له بلا شبهة . ويبيّنه أن " النّظم " في الأصل لجمع الجواهر وما كان مثلها في السلوك ، ثم لمّا حصل في الشّخصين من الرجال أن يجمعهما الحاذق المبدع في الطعن في رمح واحد ذلك الضرب من الجمع ، عبّر عنه " بالنّظم " ، كقولهم : " انتظمها برمحه " ، وكقوله : [ من الكامل ] قالوا : وينظم فارسين بطعنة " 2 " وكان ذلك استعارة ، لأن اللفظة وقعت في الأصل لما يجمع في السّلوك من الحبوب والأجسام الصغار ، إذ كانت تلك الهيئة في الجمع تخصّها في الغالب ، وكان حصولها في أشخاص الرجال من النادر الذي لا يكاد يقع ، وإلا فلو فرضنا أن يكثر وجوده في الأشخاص الكبيرة ، لكان لفظ " النظم " أصلا وحقيقة فيها ، كما يكون حقيقة في نحو الحبوب ، وهذا النحو لشدة الشّبه فيه ، يكاد يلحق بالحقيقة . ومن هذا الحدّ قوله : [ من الطويل ]
هامش
( 1 ) البيت في ديوانه . الأحيدب : جبل ، والنثر : التفريق ، يقول : فرقتهم على هذا الجبل مقتولين ، ونثرتهم نثر الدراهم على العروس ، فتفرقت مصارعهم على هذا الجبل ، كما تتفرق مواقع الدراهم إذا انتثرت ، وهذا من محاسن أبي الطيب ، وقد أشار بهذا إلى أن سيف الدولة تحكّم في الروم قتلا وأسرا ونثر جيشهم فوق هذا الجبل نثرا . التبيان 2 / 301 . ( 2 ) الشعر لبكر بن النطاح في أبي دلف العجلي ، وهو في قصة ذكرها صاحب الأغاني 19 / 109 ، وتمامه :قالوا : وينظم فارسين بطعنة * يوم اللقاء ولا يراه جليلا لا تعجبوا فلو أن طول قناته * ميل ، إذا نظم الفوارس ميلا