تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 50

مساهمون:

ص٥٠
وفي يدك السّيف الّذي امتنعت به * صفاة الهدى من أن ترقّ فتخرقا " 1 "
وذلك أن أصل " الخرق " أن يكون في الثوب ، وهو في الصفاة استعارة ، لأنه لمّا قال " ترقّ " ، قربت حالها من حال الثوب ، وعلى ذلك فإنّا نعلم أن " الشق " و " الصدع " حقيقة في الصّفاة ، ونعلم أن " الخرق " يجامعهما في الجنس ، لأن الكلّ تفريق وقطع . ولو لم يكن " الخرق " و " الشق " واحدا ، لما قلت : " شققت الثوب " ، و " الشقّ عيب في الثوب " ، و " تشقّق الثوب " قول من لا يستعير . ولكن لو قلت : " خرق الحشمة " ، لم يكن من الحقيقة في شيء ، وكان خارجا من هذا الفن الذي نحن فيه ، لأنه ليس هناك شق . ولو جاء " شقّ الحشمة " أو " صدع " مثلا ، كان كذلك أعني لا يكون له أصل في الحقيقة ولا شبه بها . ومن هذا الضرب قوله تعالى :
وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ
[ سبأ : 19 ] يعدّ استعارة من حيث إن " التمزيق " للثوب في أصل اللغة ، إلا أنه على ذاك راجع إلى الحقيقة ، من حيث إنه تفريق على كل حال ، وليس بجنس غيره ، إلّا أنهم خصّوا ما كان مثل الثوب بالتمزيق ، كما خصّوه بالخرق ، وإلا فأنت تعلم أن تمزيق الثوب تفريق بعضه من بعض . ومثله أن " القطع " إذا أطلق ، فهو لإزالة الاتصال من الأجسام التي تلتزق أجزاؤها . وإذا جاء في تفريق الجماعة وإبعاد بعضهم عن بعض ، كقوله تعالى :
وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً
[ الأعراف : 168 ] ، كان شبه الاستعارة ، وإن كان المعنى في الموضعين على إزالة الاجتماع ونفيه . فإن قلت : " قطع عليه كلامه " ، أو قلت : " نقطع الوقت بكذا " ، كان نوعا آخر . ومن الاستعارة القريبة في الحقيقة قولهم : " أثرى فلان من المجد " ، و " أفلس من المروءة " ، وكقوله : [ من الكامل ]
إن كان أغناها السلوّ ، فإنّني * أمسيت من كبدي ومنها معدما " 2 "
هامش
( 1 ) البيت للبحتري في ديوانه . ( 2 ) البيت للمتنبي في ديوانه . السلو : البغض والسآمة ، والمعدم : الفقير ، وروى ابن جني مصرما وهو بمعنى واحد ، والمصرم والمعدم والممحق والمبلط والمعسر والمقتر والمفلس الذي لا مال له ولا شيء له ، ومن كلام العرب : كلأ ييجع له كبد المصرم ، وهو الذي لا مال له ، فيرعاه فأوجعته كبده . ومعنى البيت : إن كان السلو تركها غنية عن وصالي ولا تحتاج إلى وصلي فأنا محتاج إليها ، قد عدمتها وعدمت كبدي ، يريد أنها غنية عني وأنا فقير إليها . التبيان 2 / 329 .