تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 44

مساهمون:

ص٤٤
وسرّ هذا الموضع يتجلّى تمام التجلّي إذا تكلّم على الفرق بين التشبيه والتمثيل ، وسيأتيك ذلك إن شاء اللّه تعالى . وكذا قولهم : " هو مرخى العنان ، وملقى الزّمام " ، لا وجه لأن تروم شيئا تجري العنان عليه ويتناوله ، بل المعنى على انتزاع الشبه من الفرس في حال ما يرخى عنانه ، وأن ينظر إلى الصورة التي توجد من حاله تلك في العقل ، ثم يجاء بها فيعارها الرجل ، ويتصوّر بمقتضاها في النفس ويتمثّل ، ولو قلت : إن " العنان " هاهنا بمعنى النهي ، وأن المراد أن النهي قد أبعد عنه ونحو ذلك ، دخلت في ظاهر من التكلّف ، وأتعبت نفسك في غير جدوى ، وعادت زيادتك نقصانا ، وطلبك الإحسان إساءة . واعلم أن إغفال هذا الأصل الذي عرّفتك من أن الاستعارة تكون على هذا الوجه الثاني كما تكون على الأوّل مما يعدو إلى مثل هذا التعمّق ، فإنه نفسه قد يصير سببا إلى أن يقع قوم في التشبيه ، وذلك أنهم إذا وضعوا في أنفسهم أن كل اسم يستعار فلا بد من أن يكون هناك شيء يمكن الإشارة إليه يتناوله في حال المجاز ، كما يتناول مسمّاه في حال الحقيقة ، ثم نظروا في نحو قوله تعالى :
وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي
[ طه : 39 ] و
وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا
[ هود : 37 ] ، فلما لم يجدوا للفظة " العين " ما يتناوله على حدّ تناول " النّور " مثلا للهدى والبيان ارتبكوا في الشكّ وحاموا حول الظاهر ، وحملوا أنفسهم على لزومه ، حتى يفضي بهم إلى الضلال البعيد ، وارتكاب ما يقدح في التوحيد ، ونعوذ باللّه من الخذلان . وطريقة أخرى ، في بيان الفرق بين القسمين ، وهو أن الشبه في القسم الأول الذي هو نحو " رأيت أسدا " تريد رجلا شجاعا ، وصف موجود في الشيء الذي له استعرت ، واليد ليست توصف لشبه ، ولكنه صفته تكسبها اليد صاحبها ، وتحصل له بها ، وهي التصرف على وجه مخصوص وكذا قولك " أفراس الصّبا " ، ليس الشبه الذي له استعرت الأفراس موجودا في الأفراس ، بل هو شبه يحصل لما يضاف إليه الأفراس ، حيث يراد الحقيقة نحو قولنا : " عرّي أفراس الغزو " ، و " أجمّت خيل الجهاد " ، وذلك ما يوجبه الفعل الواقع على الأفراس ، نحو أنّ وقوع الفعل الذي هو " عرّي " على أفراس الغزو ، يوجب الإمساك عن الغزو والترك له وعلى هذا القياس . وإذ قد تقرر أمر الاسم في كون استعارته على هذين القسمين ، فمن حقّنا أن ننظر في " الفعل " هل يحتمل هذا الانقسام . والذي يجب العمل عليه أن الفعل لا يتصوّر فيه أن يتناول ذات شيء ، كما يتصور في الاسم ، ولكن شأن الفعل أن يثبت