على حدّ تناول الأسد الرجل الموصوف بالشجاعة ، والبدر الموصوف بالحسن أو البهاء ، والسحاب المذكور بالسخاء والسماحة ، والنور العلم ، والهدى والبيان ، وليس إلّا أنك أردت أن الصّبا قد ترك وأهمل ، وفقد نزاع النفس إليه وبطل ، فصار كالأمر ينصرف عنه فتعطّل آلاته ، وتطرح أداته كالجهة من جهات المسير نحو الحج أو الغزو أو التجارة يقضى منها الوطر ، فتحطّ عن الخيل التي كانت تركب إليها لبودها ، وتلقى عن الإبل التي كانت تحمّل لها قتودها " 1 " .
وقد يجيء وإن كان كالتكلّف أن تقول إن " الأفراس " عبارة عن دواعي النفوس وشهواتها ، وقواها في لذّاتها ، أو الأسباب التي تفتل في حبل الصبا ، وتنصر جانب الهوى ، وتلهب أريحيّة النشاط ، وتحرّك مرح الشّباب ، كما قال : [ من الوافر ] ونعم مطيّة الجهل الشباب وقال : [ من الكامل ] كان الشباب مطيّة الجهل وليس من حقّك أن تتكلّف هذا في كل موضع ، فإنه ربّما خرج بك إلى ما يضرّ المعنى وينبو عنه طبع الشعر ، وقد يتعاطاه من يخالطه شيء من طباع التعمّق ، فتجد ما يفسد أكثر مما يصلح .
ولو أنك تطلبت " للمطية " في بيت الفرزدق : [ من الطويل ]
لعمري لئن قيّدت نفسي لطالما * سعيت وأوضعت المطيّة في الجهل " 2 "
مثل هذا التأوّل ، تباعدت عن الصواب ، وعدلت عما يسبق إلى القلب ، وذلك أن المعنى على قولك : " لطالما سعيت في الباطل ، وقديما كنت في الإسراع إلى الجهل بصورة من يوضع المطيّة في سفره " .
هامش
( 1 ) جمع قتد بالتحريك وبالكسر : خشب الرحل .
( 2 ) البيت من قصيدة للفرزدق قالها في جرير عندما بلغ نساء بني مجاشع فحش جرير بهن فأتين الفرزدق مقيدا فقلن : قبح اللّه قيدك ، فقد هتك جرير عورات نسائك فلحيت شاعر قوم ! فأحفظنه ففض قيده ، وقد قيد نفسه قبل ذلك وحلف أن لا يطلق قيده حتى يجمع القرآن فقال :ألا استهزأت مني هنيدة أن رأت * أسيرا يداني خطوه حلق الحجل
ولو علمت أن الوثائق أشدّه * إلى النار قالت لي مقالة ذي عقل
لعمري لئن قيدت . . . . . . . . . . * . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .ديوان الفرزدق : ص 152 .