تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 40

مساهمون:

ص٤٠
ومن خصائصها التي تذكر بها ، وهي عنوان مناقبها ، أنّها تعطيك الكثير من المعاني باليسير من اللفظ ، حتى تخرج من الصدفة الواحدة عدّة من الدّرر ، وتجني من الغصن الواحد أنواعا من الثّمر . وإذا تأمّلت أقسام الصّنعة التي بها يكون الكلام في حدّ البلاغة ، ومعها يستحق وصف البراعة ، وجدتها تفتقر إلى أن تعيرها حلاها ، وتقصر عن أن تنازعها مداها وصادفتها نجوما هي بدرها ، وروضا هي زهرها ، وعرائس ما لم تعرها حليها فهي عواطل ، وكواعب ما لم تحسّنها فليس لها في الحسن حظّ كامل . فإنك لترى بها الجماد حيّا ناطقا ، والأعجم فصيحا ، والأجسام الخرس مبينة ، والمعاني الخفيّة بادية جليّة ، وإذا نظرت في أمر المقاييس وجدتها ولا ناصر لها أعزّ منها ، ولا رونق لها ما لم تزنها ، وتجد التشبيهات على الجملة غير معجبة ما لم تكنها . إن شئت أرتك المعاني اللطيفة التي هي من خبايا العقل ، كأنها قد جسّمت حتى رأتها العيون ، وإن شئت لطّفت الأوصاف الجسمانية حتى تعود روحانية لا تنالها إلّا الظنون . وهذه إشارات وتلويحات في بدائعها ، وإنما ينجلي الغرض منها ويبين ، إذا تكلّم على هذه التفاصيل ، وأفرد كلّ فن بالتمثيل ، وسترى ذلك إن شاء اللّه ، وإليه الرغبة في أن توفّق للبلوغ إليه والتوفّر عليه . وإذ قد عرّفتك أن لها هذا المجال الفسيح ، والشّأو البعيد ، فإني أضع لك فصلا ، بعد فصل ، وأجتهد بقدر الطاقة في الكشف والبحث .

فصل

وهذا فصل قسّمتها فيه قسمة عامية . ومعنى " العامية " ، أنك لا تجد في هذه الاستعارة قسمة إلا أخصّ من هذه القسمة ، وأنها قسيمة الاستعارة من حيث المعقول المتعارف في طبقات الناس وأصناف اللغات ، وما تجد وتسمع أبدا نظيره من عوامّ الناس كما تسمع من خواصهم . اعلم أن كل لفظة دخلتها الاستعارة المفيدة ، فإنها لا تخلو من أن تكون اسما أو فعلا ، فإذا كانت اسما فإنه يقع مستعارا على قسمين : أحدهما : أن تنقله عن مسمّاه الأصلي إلى شيء آخر ثابت معلوم فتجريه عليه ، وتجعله متناولا له تناول الصفة مثلا للموصوف ، وذلك قولك " رأيت أسدا " وأنت تعني " رجلا شجاعا " و " عنّت لنا ظبية " وأنت تعني امرأة و " أبديت نورا " وأنت