تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 38

مساهمون:

ص٣٨
وأما قول الأعرابي : " كيف الطلا وأمّه ؟ " فمن جنس " المفيد " أيضا ، لأنه أشار إلى شيء من تشبيه المولود بولد الظبي ، ألا تراه قال ذاك بعد أن انصرف عن السخط إلى الرضى ، وبعد أن سكن عنه فورة الجوع الذي دعاه إلى أن قال : " ما أصنع به ؟ آكله أم أشربه " حتى قالت المرأة " غرثان فاربكوا له " " 1 " . وأمّا قوله : [ من البسيط ]
إذا أشرف الدّيك يدعو بعض أسرته * عند الصّباح ، وهم قوم معازيل " 2 "
فاستعارة " القوم " هاهنا ، وإن كانت في الظاهر لا تفيد أكثر من معنى الجمع ، فإنها مفيدة من حيث أراد أن يعطيها شبها مما يعقل . على أن هذا إذا حقّقنا في غير ما نحن فيه وبصدده في هذا الفصل ، وذلك أنه لم يجتلب الاسم المخصوص بالآدميين حتى قدّم تنزيلها منزلتهم فقال : " هم " ، فأتى بضمير من يعقل . وإذا كان الأمر كذلك ، كان " القوم " جاريا مجرى الحقيقة . ونظيره أنك تقول : " أين الأسود الضّارية " ؟ وأنت تعني قوما من الشجعان ، فيلزم في الصفة حكم ما لا يعقل ، فتقول : " الضارية " ، ولا تقول " الضارون " البتة ، لأنك وضعت كلامك على أنك كأنك تحدّث عن الأسود في الحقيقة . وعلى هذه الطريقة ينبغي أن يجرى بيت المتنبي : [ من الكامل ]
زحل ، على أنّ الكواكب قومه * لو كان منك لكان أكرم معشرا " 3 "
هامش
( 1 ) أصل المثل . أن ابن لسان الحمرة دخل على أهله وهو جائع عطشان فبشروه بمولود وأتوه به ، فقال ما أدري أآكله أم أشربه ؟ فقالت امرأته ( غرثان فاربكوا له ) من الربيكة وهو شيء من حساء وأقط وفي رواية ( فابكلوا له ) من البكيلة وهي أقط يلت بسمن فلما طعم وشرب قال : ( كيف الطلا وأمه ) فأرسلها مثلا يضرب لمن ذهب همه وتفرغ لغيره وضبط شيخنا " الحمرة " ( بضم الحاء وتشديد الميم المفتوحة ) قال واسمه عبد اللّه بن حسنين أو ورقاء بن الأشعر . ( رشيد ) . ( 2 ) البيت لعبدة بن الطبيب حين كان في جيش النعمان بن مقرّن وهو يحارب الفرس . وقبله :وقد غدوت وقرن الشمس منفتق * ودونه من سواد الليل تجليلالمعازيل : الذين لا سلاح معهم . جمع معزال . [ لسان العرب - مادة : عزل ] . والمعزال : الذي ينزل ناحية من السّفر ينزل وحده ، وهو ذم عند العرب بهذا المعنى ، والمعزال : الراعي المنفرد ، قال الأعشى :تخرج الشيخ عن بنيه وتلوي * بلبون المعزابة المعزالوهذا المعنى ليس بذم عندهم لأن هذا من فعل الشجعان وذوي البأس والنجدة من الرجال . ( 3 ) البيت في ديوانه . والمعني : إن زحل شيخ النجوم ولو كان من عشيرتك لكان أكرم معشرا منه الآن ، والنجوم قومه ، وذلك أن قومك أشرف من النجوم فلو كان من قومك كان أشرف مما هو فيه مع أن معشره النجوم . التبيان : 1 / 383 .