تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 36

مساهمون:

ص٣٦
فقد قالوا إنه أراد أن يقول : " بساق وقدم " ، فلما لم تطاوعه القافية وضع الحافر موضع القدم . وهو وإن كان قد قال بعد هذا البيت ما يدلّ على قصده أن يحسن القول في الضيف ، ويباعده من أن يكون قصد الزراية عليه ، أو يحول حول الهزء به والاحتقار له ، وذلك قوله :
فقلت له أهلا وسهلا ومرحبا * بهذا المحيّا من محيّ وزائر
فليس بالبعيد أن يكون فيه شوب مما مضى ، وأن يكون الذي أفضى به إلى ذكر الحافر ، قصده أن يصفه بسوء الحال في مسيره ، وتقاذف نواحي الأرض به ، وأن يبالغ في ذكره بشدّة الحرص على تحريك بكره ، واستفراغ مجهوده في سيره ، ويؤنس بذلك أن تنظر إلى قوله قبل :
وأشعث مسترخي العلابي طوّحت * به الأرض من باد عريض وحاضر فأبصر ناري وهي شقراء أوقدت * بعلياء نشز للعيون النّواظر " 1 "
وبعده " فما رقد الولدان " ، فإذا جعله " أشعث مسترخي العلابيّ " ، فقد قربت المسافة بينه وبين أن يجعل قدمه حافرا ، ليعطيه ، من الصلابة وشدة الوقع على جنب البكر حظّا وافرا . وهكذا قول الآخر : [ من الطويل ]
سأمنعها أو سوف أجعل أمرها * إلى ملك أظلافه لم تشقّق " 2 "
هو في حد التشبيه والاستعارة ، لأن المعنى على أن الأظلاف لمن يربأ بالملك عن مشابهته ، كأنه قال : " أجعل أمرها إلى ملك ، لا إلى عبد جاف متشقق الأظلاف " . ويدلّ على ذلك أن أبا بكر بن دريد قال في أول الباب الذي وضعه للاستعارة : " يقولون للرجل إذا عابوه : جاءنا حافيا متشقّق الأظلاف " ثم أنشد البيت . فإذا كان من شرط هذه الاستعارة أن يؤتى بها في موضع العيب والنقص ، فلا شك في أنها معنوية .
هامش
( 1 ) العلابي : جمع علباء : ممدود بالكسر ، وهو عصب العنق ، قال الأزهري : الغليظ خاصة ، قال ابن سيدة : وهو العقب ، وقال اللحياني : العلباء مذكر لا غير له . وهما علباوان ، يمينا وشمالا بينهما منبت العنق . [ لسان العرب - مادة : علب ] . ( 2 ) البيت لعقفان بن قيس بن عاصم بن عبيد اليربوعي ، جاهلي ويعني بالملك : النعمان بن المنذر .
أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 36 | عبد الحميد هنداوي / عبد القاهر الجرجاني