حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ
[ البقرة : 187 ] ، وحمله على ظاهره . فقد روى أنه قال لما نزلت هذه الآية : " أخذت عقالا أسود وعقالا أبيض ، فوضعتهما تحت وسادتي ، فنظرت فلم أتبيّن ، فذكرت ذلك للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : إن وسادك لطويل عريض ، إنما هو الليل والنهار " .
والوجه الثاني : أن تذكر كلّ واحد من المشبّه والمشبّه به فتقول : " زيد أسد " و " هند بدر " ، و " هذا الرجل الذي تراه سيف صارم على أعدائك " . وقد كنت ذكرت فيما تقدّم ، أن في إطلاق الاستعارة على هذا الضّرب الثاني بعض الشبهة ، ووعدتك كلاما يجيء في ذلك ، وهذا موضعه .
اعلم أنّ الوجه الذي يقتضيه القياس ، وعليه يدلّ كلام القاضي في الوساطة ، أن لا تطلق الاستعارة على نحو قولنا : " زيد أسد " و " هند بدر " ، ولكن تقول : هو تشبيه ، وإذا قال : " هو أسد ، لم تقل : " استعار له اسم الأسد " ، ولكن تقول : " شبّهه بالأسد " ، وتقول في الأول إنه استعارة لا تتوقف فيه ولا تتحاشى البتّة . وإن قلت في القسم الأول : إنه تشبيه كنت مصيبا ، من حيث تخبر عمّا في نفس المتكلم وعن أصل الغرض ، وإن أردت تمام البيان قلت : أراد أن يشبّه المرأة بالظبية فاستعار لها اسمها مبالغة .
فإن قلت : فكذلك فقل في قولك : " زيد أسد " ، إنه أراد تشبيهه بالأسد ، فأجرى اسمه عليه ، ألا ترى أنك ذكرته بلفظ التّنكير فقلت : " زيد أسد " ، كما تقول : " زيد واحد من الأسود " ، فما الفرق بين الحالين ، وقد جرى الاسم في كل واحد منهما على المشبّه ؟
فالجواب أن الفرق بيّن ، وهو أنك عزلت في القسم الأول الاسم الأصليّ عنه واطّرحته ، وجعلته كأن ليس هو باسم له ، وجعلت الثاني هو الواقع عليه والمتناول له ، فصار قصدك التشبيه أمرا مطويّا في نفسك مكنونا في ضميرك ، وصار في ظاهر الحال وصورة الكلام ونصبته ، كأنه الشيء الذي وضع له الاسم في اللغة وتصوّر - إن تعلّقه الوهم - كذلك . وليس كذلك القسم الثاني ، لأنك قد صرّحت فيه بذكر المشبّه ، وذكرك له صريحا يأبى أن تتوهّم كونه من جنس المشبّه به . وإذا سمع السامع قولك :
" زيد أسد " و " هذا الرجل سيف صارم على الأعداء " ، استحال أن يظنّ وقد صرّحت له بذكر زيد أنك قصدت أسدا وسيفا ، وأكثر ما يمكن أن يدّعى تخيّله في هذا : أن يقع في نفسه من قولك : " زيد أسد " ، حال الأسد في جراءته وإقدامه وبطشه ، فأمّا أن يقع في وهمه أنه رجل وأسد معا بالصورة والشخص ، فمحال .