عاد بك الأمر إلى أن تتصوّره تصوّر العين الواحدة دون الجنس ، كان ضمّ أبي الفرزدق إليه بمنزلة ضمّك إلى الشمس رجلا أو امرأة تريد أن تبالغ في وصفهما بأوصاف الشمس ، وتنزيلهما منزلتها ، كما تجده في نحو قوله " 1 " : [ من البسيط ]
فليت طالعة الشّمسين غائبة * وليت غائبة الشّمسين لم تغب
فصل في الفرق بين التشبيه والاستعارة
اعلم أن الاسم إذا قصد إجراؤه على غير ما هو له لمشابهة بينهما ، كان ذلك على ما مضى من الوجهين :
أحدهما : أن تسقط ذكر المشبّه من البين ، حتى لا يعلم من ظاهر الحال أنك أردته ، وذلك أن تقول : " عنّت لنا ظبية " ، وأنت تريد امرأة ، و " وردنا برا " ، وأنت تريد الممدوح . فأنت في هذا النحو من الكلام إنّما تعرف أن المتكلم لم يرد ما الاسم موضوع له في أصل اللغة ، بدليل الحال ، أو إفصاح المقال بعد السؤال ، أو بفحوى الكلام وما يتلوه من الأوصاف .
مثال ذلك أنك إذا سمعت قوله " 2 " : [ من البسيط ]
ترنّح الشّرب واغتالت حلومهم * شمس ترجّل فيهم ثم ترتحل
استدللت بذكر الشّرب ، واغتيال الحلوم ، والارتحال ، أنه أراد قينة . ولو قال :
" ترجلت شمس " ، ولم يذكر شيئا غيره من أحوال الآدميين ، لم يعقل قطّ أنه أراد امرأة إلا بإخبار مستأنف ، أو شاهد آخر من الشواهد .
ولذلك تجد الشيء يلتبس منه حتّى على أهل المعرفة ، كما روى أن عديّ بن حاتم اشتبه عليه المراد بلفظ الخيط في قوله تعالى :
هامش
( 1 ) البيت للمتنبي من قصيدة مطلعها :
يا أخت خير أخ يا بنت خير أب * كناية بهما عن أشرف النسب طالعة الشمسين : شمس النهار ، غائبة الشمسين : المرثية وهي أخت سيف الدولة . راجع ديوانه 2 / 195 .
( 2 ) الترنّح : تمزّز الشراب ( عن أبي حنيفة ) وترنّح الرجل : تمايل من السكر . راجع لسان العرب مادة :
( رنح ) . والترجّل : الارتفاع وقد سبق .