تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 233

مساهمون:

ص٢٣٣
أو مفعولا ثانيا لباب " علمت " ، لأن هذه الأبواب كلها أصلها مبتدأ وخبر أو يكون " حالا " ، لأن الحال عندهم زيادة في الخبر . فحكمها حكم الخبر فيما قصدته هاهنا خصوصا ، والاسم إذا وقع في هذه المواضع ، فأنت واضع كلامك لإثبات معناه ، وإن أدخلت النّفي على كلامك تعلّق النفي بمعناه . تفسير هذه الجملة : أنك إذا قلت : " زيد منطلق " ، فقد وضعت كلامك لإثبات الانطلاق لزيد . ولو نفيت فقلت : " ما زيد منطلقا " ، كنت نفيت الانطلاق عن زيد . وكذلك : " أكان زيد منطلقا " ، و " علمت زيدا منطلقا " ، و " رأيت زيدا منطلقا " ، أنت في ذلك كلّه واضع كلامك ومزج له لتثبت الانطلاق لزيد ، ولو خولفت فيه انصرف الخلاف إلى ثبوته له . وإذا كان الأمر كذلك ، فأنت إذا قلت : " زيد أسد " و " رأيته أسدا " ، فقد جعلت اسم المشبّه به خبرا عن المشبّه . والاسم إذا كان خبرا عن الشيء كان خبرا عنه ، إمّا لإثبات وصف هو مشتقّ منه لذلك الشيء ، كالانطلاق في قولك : " زيد منطلق " ، أو إثبات جنسية هو موضوع لها كقولك : " هذا رجل " . فإذا امتنع في قولنا : " زيد أسد " أن تثبت شبه الجنس ، فقد اجتلبنا الاسم لنحدث به التشبيه الآن ، ونقرّره في حيّز الحصول والثبوت . وإذا كان كذلك ، كان خليقا بأن تسمّيه تشبيها ، إذ كان إنما جاء ليفيده ويوجبه . وأمّا الحالة الأخرى التي قلنا : " إن الاسم فيها يكون استعارة من غير خلاف " ، فهي حالة إذا وقع الاسم فيها لم يكن الاسم مجتلبا لإثبات معناه للشيء ، ولا الكلام موضوعا لذلك ، لأن هذا حكم لا يكون إلا إذا كان الاسم في منزلة الخبر من المبتدأ . فأمّا إذا لم يكن كذلك ، وكان مبتدأ بنفسه ، أو فاعلا أو مفعولا أو مضافا إليه ، فأنت واضع كلامك لإثبات أمر آخر غير ما هو معنى الاسم . بيان ذلك : أنك إذا قلت : " جاءني أسد " و " رأيت أسدا " و " مررت بأسد " ، فقد وضعت الكلام لإثبات المجيء واقعا من الأسد ، والرؤية والمرور واقعين منك عليه . وكذلك إن قلت : " الأسد مقبل " ، فالكلام موضوع لإثبات الإقبال للأسد ، لا لإثبات معنى الأسد . وإذا كان الأمر كذلك ، ثم قلت : " عنّت لنا ظبية " ، و " هززت سيفا صارما على الأعداء " وأنت تعني بالظبية امرأة ، وبالسيف رجلا لم يكن ذكرك للاسمين في كلامك هذا لإثبات الشّبه المقصود الآن . وكيف يتصوّر أن تقصد إلى إثبات الشبه منهما بشيء ، وأنت لم تذكر قبلهما شيئا ينصرف إثبات الشبه إليه ، وإنما تثبت الشّبه من طريق الرجوع إلى الحال ، والبحث عن خبئ في نفس المتكلم ؟