تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 227

مساهمون:

ص٢٢٧
أبي أحمد الغيثين صعصعة الذي * متى تخلف الجوزاء والدّلو يمطر أجار بنات الوائدين ومن يجر * على الموت يعلم أنه غير مخفر " 1 "
أفلا تراه كيف ادّعى لأبيه اسم الغيث ادّعاء من سلّم له ذلك ، ومن لا يخطر بباله أنه مجاز فيه ، ومتناول له من طريق التشبيه ، وحتى كأنّ الأمر في هذه الشهرة بحيث يقال : " أيّ الغيثين أجود ؟ " فيقال : " صعصعة " ، أو يقال : " الغيثان " ، فيعلم أنّ أحدهما صعصعة ، وحتى بلغ تمكّن ذلك في العرف إلى أن يتوقّف السامع عند إطلاق الاسم ، فإذا قيل : " أتاك الغيث ! " ، لم يعلم أيراد صعصعة أم المطر . وإن أردت أن تعرف مقدار ما له من القوّة في هذا التخييل ، وأن مصدره مصدر الشيء المتعارف الذي لا حاجة به إلى مقدّمة يبنى عليها نحو أن تبدأ فتقول : " أبي نظير الغيث وثان له ، وغيث ثان " ، ثم تقول : " وهو خير الغيثين " لأنه لا يخلف إذا أخلفت الأنواء ، فانظر إلى موقع الاسم ، فإنك تراه واقعا موقعا لا سبيل لك فيه إلى حلّ عقد التثنية ، وتفريق المذكورين بالاسم . وذلك أن " أفعل " لا تصحّ إضافته إلى اسمين معطوف أحدهما على الآخر ، فلا يقال : " جاءني أفضل زيد وعمرو " ، ولا : " إنّ أعلم بكر وخالد عندي " ، بل ليس إلا أن تضيف إلى اسم مثنّى أو مجموع في نفسه ، نحو : " أفضل الرّجلين " ، و " أفضل الرجال " . وذلك أنّ أفعل التفضيل بعض ما يضاف إليه أبدا ، فحقّه أن يضاف إلى اسم يحويه وغيره . وإذا كان الأمر كذلك ، علمت أنه اللّفظ بالتشبيه ، والخروج عن صريح جعل اللّفظ للحقيقة متعذر عليك ، إذ لا يمكنك أن تقول : " أبي أحمد الغيث والثاني له والشبيه به " ، ولا شيئا من هذا النحو ، لأنك تقع بذلك في إضافة " أفعل " إلى اسمين معطوف أحدهما على الآخر . وإذ قد عرفت هذا ، فانظر إلى قول الآخر " 2 " : [ من المنسرح ]
قد أقحط الناس في زمانهم * حتى إذا جئت جئت بالدّرر غيثان في ساعة لنا اتّفقا ، * فمرحبا بالأمير والمطر
فإنك تراه لا يبلغ هذه المنزلة ، وذلك أنه كلام من يثبته الآن غيثا ولا يدّعي فيه
هامش
( 1 ) البيتان من قصيدة بعنوان " أبي أحمد الغيثين " . راجع ديوانه 1 / 379 ، وفي الرواية " أبي أحد الغيثين " بدل أحمد . ( 2 ) الدّرر جمع الدّرّة : وهي هنا بمعنى المتابعة في المطر ، ومنه قول النّمر بن تولب :سلام الإله وريحانه * ورحمته وسماء دررقحط الناس ، وأقحطوا : كرهها بعضهم . راجع لسان العرب 2 / 1357 - 5 / 3536 .
أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 227 | عبد الحميد هنداوي / عبد القاهر الجرجاني